رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٣٠ - ٥- الأسلوب و اللغة و التوثيق في الإحراز
أو وصفه لوصول السفارة إلى إستانبول و الاستقبال الرسمي المخصص لها، و بعد ذلك حضوره انعقاد الديوان العثماني و تتبعه الدقيق للحدث [٥١]، لنتبين مدى البساطة و السلاسة في الأسلوب الذي اعتمده ابن عثمان.
أما بخصوص المسائل الفقهية، فإن جدية موضوعاتها فرضت صياغتها في أسلوب و لغة واضحين و بسيطين كذلك، و الملاحظ هنا أنه عول على اقتباس نصوص طويلة من مظان مختلفة تناولت مثل هذه الموضوعات، مما انعكس على أسلوب مخطوطه، فالانتقال من أسلوبه الخاص إلى أسلوب غيره واضح في المتن، خصوصا و هو يحيل على المصادر التي أخذ عنها.
من ذلك مثلا الصفحات الطويلة التي أفردها لموضوع المهدي المنتظر و مختلف الآراء المرتبطة به، بمناسبة حديثه عن ظهور رجل في داغستان يقال له منصور يعتقد أنه مقدمة المهدي، فما كان منه إلا التعويل على مصادر قديمة في الموضوع مثل" مشكاة المصابيح" للبغوي و" شرح المشكاة" لعلي القاري، و" العرف الوردي في أخبار المهدي" للحافظ السيوطي و غيرها من المؤلفات. كما نجد الأسلوب إياه في الصفحات المفردة للتراجم، سواء كانت من تأليفه هو أو اقتبسها من تآليف غيره.
و في المقابل يبدي ابن عثمان أحيانا كثيرة عناية واضحة بأسلوبه إلى حد التكلف، بحيث يلتزم الزخرفة و الصنعة، بالإكثار من السجع و الجناس و مراعاة التوازن بين الجمل، في تأثر واضح بالمدرسة البديعية التي سادت لدى كثير من الرحالة المغاربة.
و مما له دلالته في هذا الباب أن هذا النوع من الأسلوب المتأنق هو ما استهل به كتاب الإحراز، إذ ورد في الصفحة الأولى من المخطوط قوله:
" الحمد لله العليم الخبير، العلي الكبير، المتفرد بالخلق و التدبير، المتكفل بأرزاق عباده بما اقتضت حكمة التقدير، المفضل من يشاء من خلقه على من يشاء في رزقه، فمنهم غني و فقير، فلا تخرج نفس من الدنيا إلى أن تصل
[٥١] نفسه، ص. ١٤ و ما بعدها.