رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٦ - ٤- تاريخ و ظروف تأليف الإحراز
و الذاكرة. و لذلك كانت الكتابة عند الرحالة تذكرا و استعادة لوقائع و مشاهدات قد يكون مضى عليها في بعض الأحيان زمن طويل، لا تخلو فيه الذاكرة من التعرض لآفة النسيان أو جعل الوقائع تضطرب في تسلسلها و التواريخ تختلط مع بعضها البعض، و لا تخلو بطبيعة الأمر من جعل انطباعات الأمس تمتزج بمشاعر اليوم" [٤١].
فمعلوم أن الرحلة تستغرق وقتا قد يطول أو يقصر، و لا تتم كتابتها إلا بعد الفراغ من التنقل و استقرار عصا التسيار، حيث يعود الرحالة إما إلى ما دونه خلال سفره إذا كانت ظروف تنقله سمحت له بذلك، و إما بالتعويل على" ما حفظته ذاكرته و اعتمل في صدره، و العمدة في الرواية و الإخبار ما سلم من أثر النسيان" [٤٢].
و الحقيقة أن ابن عثمان يصرح أنه امتثالا للأمر السلطاني له بتدوين مشاهداته خلال سفره في البدو و الحضر، حرص على ألا يرسم شيئا إلا حرره، مما يفيد بأنه واظب على تدوين ما تتفق رؤيته و معاينته و سماعه خلال سفره، كما أنه من المنطقي الجزم بأن الدقة التي اتسمت بها رواياته و أوصافه للعديد من مظاهر الحياة في الإمبراطورية العثمانية، و النصوص الطويلة التي نقلها عن العديد من الكتب و المظان، و الأسانيد الطويلة التي أوردها بأسمائها الكاملة، و التراجم العديدة و الأشعار الغزيرة التي نقلها، كل ذلك لم يكن من السهل- إن لم يكن مستحيلا- الاعتماد فيه على الذاكرة مهما كانت وقادة و قوية.
و مما يثبت قيام ابن عثمان بتدوين مسودة رحلته خلال السفر، الاقتباسات التي نقلها عن كتب معينة وقف عليها خلال مقامه بحاضرة الدولة العثمانية إستانبول، إذ نجده مثلا يقترح إيراد موجز عن تاريخ دولة آل عثمان نقلا عن" تاريخ القرماني في كتابه أخبار الدول و آثار الأول [٤٣]،
[٤١] سعيد بنسعيد العلوي، مرجع سابق، ص. ص. ١٤- ١٥.
[٤٢] نفسه، ص. ١٧.
[٤٣] ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. ٢٠.