رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ١٢ - المقدّمة
على هذا المخطوط، الذي تأكد لنا مدى الغنى و الثراء اللذين يتميز بهما، و من ثم قناعتنا بما يشكله تحقيقه و دراسته من إسهام في تكريم الرجل ببعث تراثه المكتوب و التعريف بشتى جوانب نشاطه الدبلوماسي و العلمي، و إغناء حقل الدراسات التاريخية المتصلة بعلاقات المغرب مع قوى حوض البحر المتوسط و أوضاع هذه القوى- و خاصة الدولة العثمانية- كما رآها و روى عنها سفير مغربي يمثل النخبة المخزنية عهد ذاك.
فكتاب الإحراز زاخر بمعطيات عن أوضاع عاصمة الإمبراطورية العثمانية و ولاياتها العربية تنم عن دقة الملاحظة لدى السفير المغربي، و انتباهه إلى مختلف الميادين الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الفكرية و الجغرافية التي أورد عنها صورا تبدو واقعية و محايدة إلى حد بعيد، رغم حتمية تأثير ذاتيته على الصور التي كونها. و مع ذلك تسهم شهاداته في استكمال الصورة عن تلك الأوضاع بمقارنتها مع مختلف المصادر التي تناولت القترة، بحيث نكتشف عدم دقة العديد من الصور التي التصقت بأوضاع الإمبراطورية العثمانية في الدراسات التاريخية الأوربية و العربية على السواء. و إلى جانب المادة الجغرافية و التاريخية التي يتضمنها المؤلف فإن من مميزاته كما سنفصل في ذلك إيراده لنصوص ثمينة تسعف الباحثين في شتى الحقول الأدبية و الصوفية و غيرها.
و لا عجب في أن نقف على مخطوط في مثل هذا التنوع و الغنى و الطرافة إذا علمنا مكانة و قدر صاحبه، ذلك السفير المتضلع الذي اكتسب رصيدا ثقافيا غير عادي و حنكته تجاربه و اهتماماته بشؤون حوض البحر المتوسط، مما جعله ملاحظا دقيقا و ناقدا متفتحا لما كان يقف عليه في رحلاته.
بيد أن المفارقة هي الإجحاف الذي لحق هذه الشخصية الفذة من طرف مؤرخينا، فرغم صعود نجمه في سماء دبلوماسية السلطان سيدي محمد بن عبد الله، و الأدوار الخطيرة التي اضطلع بها بإسهامه المباشر في تدشين عهد القطيعة مع قرون من العداء و التوتر و الحذر في علاقات المغرب مع جيرانه الأوربيين، كان نصيب ابن عثمان الإهمال و غض الطرف من قبل كتب