رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ١٤ - ١- أهمية مخطوط إحراز المعلى و الرقيب
و متحرر من الخلفيات التي تحكمت في نظرة الأوربيين.
من هنا نعتقد جازمين أن ملاحظات و مشاهدات السفير و الوزير و المؤرخ المغربي محمد بن عثمان المكناسي- المتميز بدقة الملاحظة وسعة الإطلاع- رغم تصنيفها ضمن التقارير التي تنظر إلى أوضاع الدولة العثمانية من" الخارج"، تساهم في تصحيح كثير من المقولات التي علقت بتاريخ العثمانيين، من جراء الاعتماد شبه المطلق على كتابات و تقارير الأوربيين، بل يمكن الذهاب إلى أن مخطوطه يتخذ موقعا وسطا، فهو عربي مسلم غير خاضع للحكم التركي، له غيرة على إبراز مظاهر القوة و المنعة في هذه الدولة الإسلامية باعتبارها مكسبا للإسلام و المسلمين، و في ذات الوقت لم يتردد في ذكر مناحي الضعف و الجوانب السلبية في شتى مجالات الحياة كما عاينها، مما يجعل هذا المؤلف مصدرا مهما لمعرفة نظرة أحد ممثلي النخبة السياسية لمغرب القرن الثامن عشر لواقع أكبر إمبراطورية إسلامية في ذلك العهد، بشكل يمكن اعتباره مصدرا للتاريخ العثماني من الداخل نظرا للوشائج العميقة التي ربطت المغرب و نخبته بهذه الدولة.
فكتاب الإحراز يقدم رواية لمشاهدات مؤلفه على طول طريق الحج العثماني، بحيث ينفرد ابن عثمان بذلك نظرا لكون جل الرحلات الحجازية المغربية سلكت الطريق التقليدية عبر مصر التي ظل ركب الحاج المغربي يتخذها. و إذا كانت الترجمانة الكبرى تشترك مع الإحراز في ذلك، فإننا نعتقد جازمين أن الزياني اكتفى بنقل رواية ابن عثمان دون التصريح بذلك كما بينا في حينه، علاوة على اختصاره الشديد في وصف مراحل السفر.
على كل لا يملك قارئ إحراز المعلى إلا الإقرار" بكونه الأكثر غنى و دقة و أصالة" من بين الرحلات التي ألفها محمد بن عثمان المكناسي، إذ" لا يقتصر الأمر على كون هذه الرحلة وصفا دقيقا للمدن و القرى التي زارها، بل يتميز كذلك بتنوع وصفه لتلك المدن و تباين تناوله لمقامه في كل واحدة منها. فمثلا تختلف رواية ابن عثمان عن العاصمة العثمانية عما رواه عن القدس اختلافا جذريا، فالأولى تتميز بالطابع السوسيو اقتصادي