رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٥٨ - مرور الركب بآثار الأنباط و اندهاش ابن عثمان من الموقع
الغد إلى الظهر، و نزلنا على قلعة و بها ماء يقال له البير الجديد، وصلناها على سير إحدى و عشرين ساعة، و قد وصلنا عند طلوع الشمس من ذلك اليوم قلعة أخرى يقال لمائها الزمرد، فأبى الوزير أن ينزل بها و ترك ماءها إلى الرجوع، فأقمنا عند البير الجديد بقية النهار فشرب الناس و الإبل و طبخوا ما أكلوا، و بعد العشاء سافرنا الليل كله و من الغد النهار كله إليا لإصفرار، و نزلنا على قلعة يقال لها هدية [٣٩١]، لكن ما رأينا فيما تقدم أشد حرا من هذا اليوم مع عدم الماء و شدة اللهيب و الحر، فقد مات من الآدميين في هذا اليوم من العطش مائة و خمسة و سبعون، منهم من رأيناه على قارعة الطريق و منهم من أخبرنا به، أما الإبل فشيء كثير.
و هذه القلعة، أي قلعة هدية، مؤسسة بين جبال في أرض ماؤها قريب يحفر عليه مقدار ذراع أو أقل و ينبع ماؤها، إلا أنه ليس بعذب ففيه مساسة و قد أسهل بطون الناس، و قد نزلناها على مسير عشرين ساعة فبتنا بها و استقى الناس لأنفسهم و الإبل، و حملنا معنا الماء منها للدار التي- ٢٢٥- بعدها لكونها لا ماء فيها، و عند الإصفرار سافرنا منها فسرنا الليل كله و بعد طلوع الشمس بساعة نزلنا بأرض يقال لها الفحلتين [٣٩٢] على سير اثنتي عشرة ساعة، و هذه البلاد كثيرة الحجارة و الطريق فيها مارة بين جبال، فقلنا بهذه المنزلة إلى أن صلينا العصر و سافرنا إلى ضحوة الغد، و نزلنا بأرض منفسحة بين جبال يقال لها آبار ناصف، يحفر الناس الآبار في الرمل و يستخرجون الماء و هو أحسن من ماء هدية، و قد وصلناه على خمس عشرة ساعة، و بعد صلاة الظهر سافرنا بقية النهار و الليل كله و من الغد إلى الزوال، و نزلنا بظاهر المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام و بنينا الخيام بسفح جبل سلع،
[٣٩١] منزلة على طريق الشام من المدينة،" و هي أرض واسعة ذات رمال و وعر و أحجار و جبال، و فيها حفر كثيرة من الماء لكنه يوجب إسهال البطن بسبب ما ينبت هناك من السنا". (الحقيقة و المجاز ٤٨١)
[٣٩٢] منزلة على الطريق بين الشام و المدينة المنورة، كانت تسمى كذلك حصن عنتر، اشتهرت عند الحجاج بقلة الماء و شدة الحر و كثرة الغبار. (الحقيقة و المجاز ٤٨١).