رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٥٦ - الرسو بميناء سيراكوزة بصقلية و وصف الجزيرة
بأربع خنادق، أدخلوا في كل واحد البحر حتى نفذ إلى البحر من الناحية الاخرى، و جعلوا لخروجهم إلى البر قناطر يعبرون عليها على كل خندق قنطرة، و بالليل ترفع القناطر بالسلاسل و تبقى البلاد مقطوعة دونها أربعة أبحر، و هذه الخنادق أحدثها أحد طواغي الإصبنيول يقال له كارلوس كينط لنبرطور [٢٢]، لأن هذه الجزيرة و كذا نابل [٢٣] و عملها كانت تحت حكمه.
و من هذه المدينة كان دخول المسلمين على عهد بني أمية حتى تملكوها، و بقيت في أيديهم نحو من ثلاثمائة سنة، ثم دخلها الكفار عليهم أيضا من هذه البلد و لله الأمر من قبل و من بعد، و الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. فلما كانت معلومة الدخول حصنها الطاغية المذكور، و قد ألممنا بذلك مبينا في رحلتنا المسماة بالبدر السافر [٢٤]، و بها زيتون كثير فقد ذكر حاكمها أن بها من المعاصر خمسين معصرة، و أنهم يمكثون في عصر زيتونها شهرين.
[٢٢] يقصد الإمبراطور شارل كانتCharles Quint (٠٠٥١ -٨٥٥١) الذي حكم إمبراطورية أوربية شاسعة ضمت إسبانيا و مستعمراتها الأمريكية و نابولي و صقلية و سردينيا و البلاد المنخفضة و ممتلكات آل الهابسبرغ النمساويين، تمكن من تقلد أمور الإمبراطورية الجرمانية المقدسة بعد موت جده الإمبراطور ماكسيميليان سنة ١٥١٩، و رغم جهوده الحثيثة فإنه واجه مصاعب كبيرة في إدارة إمبراطورية مترامية الأطراف و متعددة الأعراق، إذ ظل أجنبيا في نظر الإسبان الذين ثاروا ضده مرارا و خاصة في قشتالة، كما واجه تحديات الإصلاح الديني البروتستانتي و ما جره من صراعات. من جهة أخرى ظل مستنفرا أمام تهديدات و طموح الأتراك العثمانيين حيث اصطدم عسكريا مع سليمان القانوني و حليفه الملك الفرنسي فرانسوا الأول، و قد أرهقته تلك التحديات الكبرى فاعتزل العرش سنة ١٥٥٦ تاركا لإبنه فيليب الثاني ممتلكاته الإسبانية و لأخيه فرديناند ممتلكات الهابسبرغ ليعتزل في دير يوست حيث مات سنة
. ٨٥٥١( Encyclopedie ٠٦٣, vol. ٣, ed. Romaldi, ٠٨٩١, p. ٤٩. )
[٢٣] يقصد نابولي، مدينة تقع في خليج بنفس الاسم جنوب إيطاليا و عاصمة لإقليم كمبانيا، و تشتهر ببركان فيزوف الذي يطل عليها. تعتبر من المدن المتوسطية ذات التاريخ العريق و محط صراع بين القوى الأوربية، إذ ظلت تتأرجح بين نفوذ آل الهابسبرغ و آل البوربون الإسبان.
و في الفترة المعاصرة لابن عثمان كانت تعرف بمملكة الصقليتين و يحكمها الملك فرديناند ابن كارلوس الثالث ملك إسبانيا.
[٢٤] يحيل ابن عثمان هنا على مؤلفه" البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر" الذي ألفه عن سفارته الى جزيرة مالطة للتفاوض حول افتكاك الأسرى، و فيه خاض في تاريخ صقلية بتفصيل. حققته مليكة الزاهدي و تقدمت به لنيل د. د. ع في التاريخ بكلية الآداب بالرباط سنة ٩٤- ١٩٩٥.