رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢١٢ - تلخيص بعض ما جاء في كتاب النابلسي' الرد المتين'
المنقطع، الألم الذي يجده المعذب في نفسه عند مسيس النار، و عقاب الزبانية و لسع الحيات و العقارب له، لا مراده بالعذاب المنقطع صورة هذه الأشياء فإنه قائل بتسرمدها على الكفار كالخلود في النار، فإن قلت: لم لم يجز أن يكون المراد بالعذاب الوارد في القرآن، هو حصول الألم عند هذه الأشياء المذكورة لا هي مجردها، قلت: العذاب حيث ورد في النصوص فالمراد به صورة هذه الأشياء المذكورة المحسوسة، من مسيس النار و عقاب الزبانية و لسع الحيات و العقارب، و نحو ذلك مما جرت العادة- ١٧٥- أن الله تعالى يخلق الألم عنده، لا المراد به الألم نفسه، لأن الألم هو العذاب الذي يقول به المنكرون لحشر الأجساد القائلون بالمعاد الروحاني فقط، و هم الفلاسفة و قد كفروا بذلك، و لأن الله تعالى قال وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [٣١٢]، و المشهود من الزاني و الزانية عند الرجم إنما هو صورة الفعل لا الألم. أرأيت أن الأكل إسم لمجرد إيصال ما يحتمل المضغ من الطعام إلى الجوف، و الشرب إسم لمجرد إيصال ما لا يحتمل المضغ من المائعات إلى الجوف، و ليس الشبع و الري من مسماهما بشيء، و لكن جرت عادة الله تعالى أن يخلق الشبع عند استعمال الطعام المسمى ذلك بالأكل، و الري عند استعمال الماء المسمى بالشرب، و قد لا يخلق ذلك فيكون الأكل و الشرب موجودين و الشبع و الري مفقودين.
و في مسألتنا هذه إذا تخلف وجود الألم لا يلزم فقدان العذاب، لما عرفت أن العذاب الوارد في النصوص إسم لصورة هذه الأشياء المذكورة، مما جرت العادة أن الله تعالى يخلق الألم عندها، فليس الألم من مسماها بشيء كما ذكرنا في الشبع و الري، و لا شك أيضا عند كل أحد أن إدراك العذاب غير العذاب، كما أن السماء و الأرض يبقيان و إن زال عن المدرك إدراكهما فافهم.
و أما قوله تعالى: [كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ]، فليس ذوقهم للعذاب خاصا بتألمهم به دائما، بل يمكن أن يقال
[٣١٢] الآية ٢ سورة النور.