البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٠ - فصل
فصل
و من الدلائل المعنوية أخلاقه (عليه السلام) الطاهرة، و خلقه الكامل، و شجاعته و حلمه و كرمه و زهده و قناعته و إيثاره و جميل صحبته، و صدقه و أمانته و تقواه و عبادته و كرم أصله و طيب مولده و منشئه و مرباه كما قدمناه مبسوطا في مواضعه، و ما أحسن ما ذكره شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية (رحمه اللَّه) في كتابه الّذي رد فيه على فرق النصارى و اليهود و ما أشبههم من أهل الكتاب و غيرهم، فإنه ذكر في آخره دلائل النبوة، و سلك فيها مسالك حسنة صحيحة منتجة بكلام بليغ يخضع له كل من تأمله و فهمه. قال في آخر هذا الكتاب المذكور:
فصل
و سيرة الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) و أخلاقه و أقواله و أفعاله من آياته، أي من دلائل نبوته. قال و شريعته من آياته، و أمته من آياته، و علم أمته من آياته، و دينهم من آياته، و كرامات صالحي أمته من آياته، و ذلك يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن بعث، و من حين بعث إلى أن مات، و تدبر نسبه و بلده و أصله و فصله، فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسبا من صميم سلالة إبراهيم الّذي جعل اللَّه في ذريته النبوة و الكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من ذريته، و جعل اللَّه له ابنين: إسماعيل و إسحاق، و ذكر في التوراة هذا و هذا، و بشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، و لم يكن من ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشرت به النبوات غيره، و دعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث اللَّه فيهم رسولا منهم. ثم الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) من قريش صفوة بنى إبراهيم، ثم من بنى هاشم صفوة قريش، و من مكة أم القرى و بلد البيت الّذي بناه إبراهيم و دعا الناس إلى حجه، و لم يزل محجوجا من عهد إبراهيم، مذكورا في كتب الأنبياء بأحسن وصف* و كان (صلى اللَّه عليه و سلم) من أكمل الناس تربية و نشأة، لم يزل معروفا بالصدق و البر [و مكارم الأخلاق] و العدل و ترك الفواحش و الظلم و كلّ وصف مذموم، مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، و من آمن به و من كفر بعد النبوة، و لا يعرف له شيء يعاب به لا في أقواله و لا في أفعاله و لا في أخلاقه، و لا جرب عليه كذبة قط، و لا ظلم و لا فاحشة، و قد كان (صلى اللَّه عليه و سلم) خلقه و صورته من أحسن الصور و أتمها و أجمعها للمحاسن الدالة على كماله، و كان أميا من قوم أميين لا يعرف هو و لا هم ما يعرفه أهل الكتاب [من] التوراة و الإنجيل، و لم يقرأ شيئا من علوم الناس، و لا جالس أهلها، و لم يدّع نبوة إلى أن أكمل [اللَّه] له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجب الأمور و أعظمها، و بكلام لم يسمع الأولون و الآخرون بنظيره، و أخبر بأمر لم يكن في بلده و قومه من يعرف مثله، ثم اتبعه