البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٥ - كتاب دلائل النبوّة
كتاب دلائل النبوّة
و هي معنوية و حسية: فمن المعنوية إنزال القرآن عليه، و هو أعظم المعجزات، و أبهر الآيات، و أبين الحجج الواضحات، لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الّذي تحدى به الانس و الجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك، مع توافر دواعي أعدائه على معارضته، و فصاحتهم و بلاغتهم، ثم تحداهم بعشر سور منه فعجزوا، ثم تنازل إلى التحدي بسورة من مثله، فعجزوا عنه و هم يعلمون عجزهم و تقصيرهم عن ذلك، و أن هذا ما لا سبيل لأحد إليه أبدا، قال اللَّه تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» و هذه الآية مكية و قال في سورة الطور و هي مكية: «أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» أي إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده فهو بشر مثلكم فأتوا بمثل ما جاء به فإنكم مثله* و قال تعالى في سورة البقرة و هي مدنية- معيدا للتحدى-: «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ». و قال تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ». و قال تعالى: «وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ» فبين تعالى أن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن، بل عن عشر سور مثله، بل عن سورة منه، و أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا كما قال تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا» أي فان لم تفعلوا في الماضي و لن تستطيعوا ذلك في المستقبل، و هذا تحدّثان و هو أنه لا يمكن معارضتهم له لا في الحال و لا في المآل و مثل هذا التحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن للبشر معارضته و لا الإتيان بمثله، و لو كان من متقول من عند نفسه لخاف أن يعارض، فيفتضح و يعود عليه نقيض ما قصده من متابعة الناس له، و معلوم لكل ذي لب أن محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) من أعقل خلق اللَّه بل أعقلهم و أكملهم على الإطلاق في نفس الأمر، فما كان ليقدم على هذا الأمر إلا و هو عالم بأنه لا يمكن معارضته، و هكذا وقع، فإنه من لدن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و إلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتى بنظيره و لا نظير سورة منه، و هذا لا سبيل اليه أبدا، فإنه كلام رب العالمين الّذي لا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته و لا في صفاته و لا في