البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٤ - فصل فيما يذكر من صفاته (عليه السلام) في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين
تنغصت حين ذكروا اللَّه عز و جل، فأنزلهم في دار ضيافته ثم استدعاهم بعد ثلاث فدعا بشيء نحو الربعة العظيمة فيها بيوت صغار عليها أبواب، و إذا فيها صور الأنبياء ممثلة في قطع من حرير من آدم إلى محمد (صلوات اللَّه عليهم أجمعين)، فجعل يخرج لهم واحدا واحدا و يخبرهم عنه، و أخرج لهم صورة آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم تعجل إخراج صورة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: ثم فتح بابا آخر فإذا فيها صورة بيضاء، و إذا و اللَّه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: أ تعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول اللَّه، قال: و بكينا قال: و اللَّه يعلم أنه قام قائما ثم جلس و قال: و اللَّه إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو كما تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت و لكنى عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم ذكر تمام الحديث في إخراجه بقية صور الأنبياء و تعريفه إياهما بهم، و قال في آخره قلنا له: من أين لك هذه الصور؟
لأنا نعلم أنها ما على صوّرت عليه الأنبياء (عليهم السلام)، لأنا رأينا صورة نبينا (عليه السلام) مثله، فقال: إن آدم (عليه السلام) سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم فكانت في خزانة آدم (عليه السلام) عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال، ثم قال: أما و اللَّه إن نفسي طابت بالخروج من ملكي و أنى كنت عبدا لأشرّكم ملكة حتى أموت، قال: ثم أجازنا فأحسن جائزتنا و سرّحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق رضى اللَّه عنه حدثناه بما رأينا و ما قال لنا و ما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر فقال: مسكين لو أراد اللَّه به خيرا لفعل ثم قال: أخبرنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنهم و اليهود يجدون نعت محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) عندهم.
[و قال الواقدي: حدثني على بن عيسى الحكيمي عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بنى عبد المطلب و لا أرانى أدركه و أنا أومن به و أصدقه و أشهد برسالته، فان طالت بك مدة فرأيته فأقرئه منى السلام، و سأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك. قلت: هلمّ، قال: هو رجل ليس بالطويل و لا بالقصير، و لا بكثير الشعر و لا بقليله، و ليست تفارق عينيه حمرة، و خاتم النبوة بين كتفيه، و اسمه أحمد، و هذا البلد مولده و مبعثه ثم يخرجه قوم منها و يكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه فانى طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من سأل من اليهود و النصارى و المجوس يقولون: هذا الدين و ذاك، و ينعتونه مثل ما نعته لك، و يقولون لم يبق نبي غيره* قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قول زيد بن عمرو بن نفيل و اقرائه منه السلام، فرد (عليه السلام) و ترحم عليه، و قال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا.