البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٤ - بعث خالد بن الوليد إلى العراق
واحدة، فسرح المثنى قبله بيومين و دليله ظفر، و سرح عدي بن حاتم و عاصم بن عمرو، و دليلاهما مالك بن عباد و سالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، و خرج خالد- يعنى في آخرهم- و دليله رافع فواعدهم جميعا الحفير ليجتمعوا به، و يصادموا عدوهم، و كان فرج الهند أعظم فروج فارس بأسا و أشدها شوكة، و كان صاحبه يحارب في البر و الهند في البحر و هو هرمز، فكتب إليه خالد فبعث هرمز بكتاب خالد إلى شيرى بن كسرى، و أردشير بن شيرى، و جمع هرمز، و هو نائب كسرى جموعا كثيرة و سار بهم إلى كاظمة، و على مجنبتيه قباذ و أنوشجان- و هما من بيت الملك- و قد تفرق الجيش في السلاسل لئلا يفروا، و كان هرمز هذا من أخبث الناس طوية و أشدهم كفرا، و كان شريفا في الفرس و كان الرجل كلما ازداد شرفا زاد في حليته، فكانت قلنسوة هرمز بمائة ألف، و قدم خالد بمن معه من الجيش و هم ثمانية عشر ألفا فنزل تجاههم على غير ماء فشكى أصحابه ذلك، فقال: جالد و هم حتى تجلوهم عن الماء، فأن اللَّه جاعل الماء لأصبر الطائفتين، فلما استقر بالمسلمين المنزل و هم ركبان على خيولهم، بعث اللَّه سحابة فأمطرتهم حتى صار لهم غدران من ماء. فقوى المسلمون بذلك، و فرحوا فرحا شديدا، فلما تواجه الصفان و تقاتل الفريقان، ترجل هرمز و دعا إلى النزال، فترجل خالد و تقدم إلى هرمز، فاختلفا ضربتين و احتضنه خالد، و جاءت حامية هرمز فما شغله عن قتله، و حمل القعقاع بن عمرو على حامية هرمز فأناموهم، و انهزم أهل فارس و ركب المسلمون أكتافهم إلى الليل و استحوذ المسلمون و خالد على أمتعتهم و سلاحهم فبلغ وقر ألف بعير، و سميت هذه الغزوة ذات السلاسل لكثرة من سلسل بها من فرسان فارس، و أفلت قباذ و أنوشجان* و لما رجع الطلب نادى منادى خالد بالرحيل فسار بالناس و تبعته الأثقال حتى نزل بموضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم، و بعث بالفتح و البشارة و الخمس، مع زر ابن كليب، إلى الصديق، و بعث معه بفيل، فلما رآه نسوة أهل المدينة جعلن يقلن أ من خلق اللَّه هذا أم شيء مصنوع؟ فرده الصديق مع زر، و بعث أبو بكر لما بلغه الخبر إلى خالد، فنفله سلب هرمز، و كانت قلنسوته بمائة ألف، و كانت مرصعة بالجوهر و بعث خالد الأمراء يمينا و شمالا يحاصرون حصونا هنالك ففتحوها عنوة و صلحا، و أخذوا منها أموالا جمة، و لم يكن خالد يتعرض للفلاحين- من لم يقاتل منهم- و لا أولادهم بل للمقاتلة من أهل فارس* ثم كانت وقعة المذار في صفر من هذه السنة. و يقال لها: وقعة الثني، و هو النهر، قال ابن جرير و يومئذ قال الناس، صفر الأصفار، فيه يقتل كل جبار، على مجمع الأنهار. و كان سببها أن هرمزا كان قد كتب إلى أردشير و شيرى، بقدوم خالد نحوه من اليمامة، فبعث إليه كسرى بمدد مع أمير يقال له: قارن بن قريانس، فلم يصل إلى هرمز حتى كان من أمره مع خالد ما تقدم و فر من فر من الفرس، فتلقاهم قارن، فالتفوا عليه فتذامروا و اتفقوا على العود إلى خالد، فساروا إلى موضع يقال له: المذار، و على مجنبتي قارن قباذ و أنوشجان، فلما انتهى