البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٦ - مقتل مسيلمة الكذاب لعنه اللَّه و أخزاه
عنه، و قد قال ضرار بن الأزور في غزوة اليمامة هذه:
فلو سئلت عنا جنوب لأخبرت* * * عشية سالت عقرباء و ملهم
و سال بفرع الواد حتى ترقرقت* * * حجارته فيه من القوم بالدم
عشية لا تغني الرماح مكانها* * * و لا النبل الّا المشرفي المصمم
فأن تبتغي الكفار غير مسلمية* * * جنوب فأنى تابع الدين مسلم
أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة* * * و للَّه بالمرء المجاهد أعلم
و قد قال خليفة بن حناط، و محمد بن جرير، و خلق من السلف: كانت وقعة اليمامة في سنة إحدى عشرة، و قال ابن قانع: في آخرها، و قال الواقدي و آخرون: كانت في سنة ثنتى عشرة، و الجمع بينها أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة، و الفراغ منها في سنة ثنتى عشرة و اللَّه أعلم* و لما قدمت وفود بنى حنيفة على الصديق قال لهم: أسمعونا شيئا من قرآن مسيلمة، فقالوا: أو تعفينا يا خليفة رسول اللَّه؟
فقال: لا بد من ذلك، فقالوا: كان يقول: يا ضفدع بنت الضفدعين نقى لكم نقين، لا الماء تكدرين و لا الشارب تمنعين، رأسك في الماء، و ذنبك في الطين، و كان يقول: و المبذرات زرعا، و الحاصدات حصدا، و الذاريات قمحا، و الطاحنات طحنا، و الخابزات خبزا، و الثاردات ثردا، و اللاقمات لقما، إهالة و سمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، و ما سبقكم أهل المدر، رفيقكم فامنعوه، و المعتر فآووه، و الناعي فواسوه، و ذكروا أشياء من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان و هم يلعبون، فيقال:
إن الصديق قال لهم: ويحكم، أين كان يذهب بقولكم؟ إن هذا الكلام لم يخرج من أل، و كان يقول: و الفيل و ما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، و كان يقول: و الليل الدامس، و الذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطب و لا يابس، و تقدم قوله: لقد أنعم اللَّه على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشي، و أشياء من هذا الكلام السخيف الركيك البارد السميج* و قد أورد أبو بكر ابن الباقلاني (رحمه اللَّه) في كتابه إعجاز القرآن أشياء من كلام هؤلاء الجهلة المتنبئين كمسيلمة و طليحة و الأسود و سجاح و غيرهم، مما يدل على ضعف عقولهم و عقول من اتبعهم على ضلالهم و محالهم* و قد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد الى مسيلمة في أيام جاهليته، فقال له مسيلمة: ما ذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: و ما هي؟ قال: أنزل عليه وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ قال: ففكر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال: و لقد أنزل على مثلها، فقال له عمرو: و ما هي؟ فقال مسيلمة: ياوبر ياوبر، إنما أنت إيراد و صدر، و سائرك حفر نقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: و اللَّه إنك لتعلم أنى أعلم أنك تكذب* و ذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبه بالنبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم)،