البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٤ - مقتل مسيلمة الكذاب لعنه اللَّه و أخزاه
قد ذهب لأخذ ثأر له في بنى تميم و بنى عامر و هو راجع إلى قومه فأخذوهم فلما جيء بهم الى خالد عن آخرهم فاعتذروا اليه فلم يصدقهم، و أمر بضرب أعناقهم كلهم، سوى مجاعة فأنه استبقاه مقيدا عنده- لعلمه بالحرب و المكيدة- و كان سيدا في بنى حنيفة، شريفا مطاعا، و يقال: إن خالدا لما عرضوا عليه قال لهم: ما ذا تقولون يا بنى حنيفة؟ قالوا: نقول منا نبي و منكم نبي، فقتلهم إلا واحدا اسمه سارية، فقال له: أيها الرجل إن كنت تريد عدا بعدول هذا خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل- يعنى مجاعة بن مرارة- فاستبقاه خالد مقيدا، و جعله في الخيمة مع امرأته، و قال: استوصى به خيرا، فلما تواجه الجيشان قال مسيلمة لقومه: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيات، و ينكحن غير حظيات، فقاتلوا عن أحسابكم و امنعوا نساءكم، و تقدم المسلمون حتى نزل بهم خالد على كثيب يشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، و راية المهاجرين مع سالم مولى أبى حذيفة، و راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس، و العرب على راياتها، و مجاعة بن مرارة مقيد في الخيمة مع أم تميم امرأة خالد، فاصطدم المسلمون و الكفار فكانت جولة و انهزمت الأعراب حتى دخلت بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد و هموا بقتل أم تميم، حتى أجارها مجاعة و قال: نعمت الحرة هذه، و قد قتل الرجال بن عنفوة لعنه اللَّه في هذه الجولة، قتله زيد بن الخطاب، ثم تذامر الصحابة بينهم و قال ثابت بن قيس بن شماس: بئس ما عودتم أقرانكم، و نادوا من كل جانب: أخلصنا يا خالد، فخلصت ثلة من المهاجرين و الأنصار و حمى البراء بن معرور- و كان إذا رأى الحرب أخذته العرواء فيجلس على ظهر الرحال حتى يبول في سراويله، ثم يثور كما يثور الأسد، و قاتلت بنو حنيفة قتالا لم يعهد مثله، و جعلت الصحابة يتواصون بينهم و يقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، و حفر ثابت ابن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه، و هو حامل لواء الأنصار بعد ما تحنط و تكفن، فلم يزل ثابتا حتى قتل هناك، و قال المهاجرون لسالم مولى أبى حذيفة: أ تخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال:
بئس حامل القرآن أنا إذا، و قال زيد بن الخطاب: أيها الناس عضوا على أضراسكم و اضربوا في عدوكم و امضوا قدما، و قال: و اللَّه لا أتكلم حتى يهزمهم اللَّه أو ألقى اللَّه فأكلمه بحجتي، فقتل شهيدا رضى اللَّه عنه* و قال أبو حذيفة: يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال، و حمل فيهم حتى أبعدهم و أصيب رضى اللَّه عنه، و حمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم، و سار لجبال مسيلمة و جعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع ثم وقف بين الصفين و دعا البراز، و قال: أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر و زيد، ثم نادى بشعار المسلمين- و كان شعارهم يومئذ يا محمداه- و جعل لا يبرز لهم أحد إلا قتله، و لا يدنو منه شيء إلا أكله، و دارت رحى المسلمين ثم اقترب من مسيلمة فعرض عليه النصف و الرجوع إلى الحق، فجعل شيطان مسيلمة يلوى عنقه، لا يقبل منه شيئا، و كلما أراد مسيلمة يقارب من الأمر