البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٧ - فصل في مسير الأمراء من ذي القصة على ما عوهدوا عليه
سله اللَّه على الكفار و المنافقين،
و لما توجه خالد من ذي القصة و فارقه الصديق، واعده أنه سيلقاه من ناحية خيبر بمن معه من الأمراء- و أظهروا ذلك ليرعبوا الأعراب- و أمره أن يذهب أولا الى طليحة الأسدي، ثم يذهب بعده إلى بنى تميم، و كان طليحة بن خويلد في قومه بنى أسد، و في غطفان، و انضم إليهم بنو عبس و ذبيان، و بعث إلى بنى جديلة و الغوث و طيِّئ يستدعيهم إليه، فبعثوا أقواما منهم بين أيديهم، ليلحقوهم على أثرهم سريعا، و كان الصديق قد بعث عدي بن حاتم قبل خالد بن الوليد، و قال له: أدرك قومك لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم، فذهب عدي إلى قومه بنى طيِّئ فأمرهم أن يبايعوا الصديق، و أن يراجعوا أمر اللَّه، فقالوا: لا نبايع أبا الفضل أبدا- يعنون أبا بكر رضى اللَّه عنه- فقال: و اللَّه ليأتينكم جيش فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنه أبو الفحل الأكبر، و لم يزل عدي يفتل لهم في الذروة و الغارب حتى لانوا، و جاء خالد في الجنود و على مقدمة الأنصار الذين معه ثابت بن قيس بن شماس، و بعث بين يديه ثابت بن أقرم، و عكاشة بن محصن طليعة، فتلقاهما طليحة و أخوه سلمة فيمن معهما، فلما وجدا ثابتا و عكاشة تبارزوا فقتل عكاشة جبال بن طليحة، و قيل: بل كان قتل جبالا قبل ذلك و أخذ ما معه، و حمل عليه طليحة فقتله و قتل هو و أخوه سلمة، ثابت بن أقرم، و جاء خالد بمن معه فوجدوهما صريعين، فشق ذلك على المسلمين و قد قال طليحة في ذلك:
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا* * * و عكاشة العمى تحت مجال
أقمت له صدر الحمالة إنها* * * معودة قبل الكماة نزال
فيوم تراها في الجلال مصونة* * * و يوم تراها في ظلال عوالي
و إن يك أولاد أصبن و نسوة* * * فلم يذهبوا فرغا بقتل حبال
و مال خالد إلى بنى طيئ، فخرج اليه عدي بن حاتم فقال: أنظرني ثلاثة أيام، فأنهم قد استنظرونى حتى يبعثوا إلى من تعجل منهم إلى طليحة حتى يرجعوا اليهم، فأنهم يخشون إن تابعوك أن يقتل طليحة من سار إليه منهم، و هذا أحب إليك من أن يعجلهم الى النار، فلما كان بعد ثلاث جاءه عدي في خمسمائة مقاتل ممن راجع الحق، فانضافوا إلى جيش خالد و قصد خالد بنى جديلة فقال له: يا خالد، أجلنى أياما حتى آتيهم فلعل اللَّه أن ينقذهم كما أنقذ طيِّئا، فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى تابعوه، فجاء خالدا بإسلامهم، و لحق بالمسلمين منهم ألف راكب، فكان عدي خير مولود و أعظمه بركة على قومه، رضى اللَّه عنهم، قالوا: ثم سار خالد حتى نزل بأجأ و سلمى، و عبى جيشه هنالك و التقى مع طليحة الأسدي بمكان يقال له: بزاخة، و وقفت أحياء كثيرة من الأعراب ينظرون على من تكون الدائرة، و جاء طليحة فيمن معه من قومه و من التف معهم و انضاف إليهم، و قد حضر