البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - خروج الأسود العنسيّ
ابن قيس و يزيد بن محرم بن حصن الحارثي، و يزيد بن الأفكل الأزدي، و اشتد ملكه، و استغلظ أمره، و ارتد خلق من أهل اليمن و عامله المسلمون الذين هناك بالتقية، و كان خليفته على مذحج عمرو بن معديكرب و أسند أمر الجند الى قيس بن عبد يغوث، و أسند أمر الأبناء الى فيروز الديلميّ و داذويه و تزوج بامرأة شهر بن باذام و هي ابنة عم فيروز الديلميّ، و اسمها زاذ، و كانت امرأة حسناء جميلة، و هي مع ذلك مؤمنة باللَّه و رسوله محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و من الصالحات، قال سيف بن عمر التميمي: و بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كتابه، حين بلغه خبر الأسود العنسيّ مع رجل يقال له: وبر بن يحنس الديلميّ: يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الأسود العنسيّ و مصاولته، و قام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتم القيام، و كان قد تزوج امرأة من السكون يقال لها: رملة، فحزبت عليه السكون لصبره فيهم، و قاموا معه في ذلك، و بلغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و من قدروا عليه من الناس، و اتفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجند- و كان قد غضب على الأسود، و استخف به، و هم بقتله- و كذلك كان أمر فيروز الديلميّ، قد ضعف عنده أيضا، و كذا داذويه، فلما أعلم وبر بن نحيس قيس بن عبد يغوث، و هو قيس بن مكشوح، كان كأنما نزلوا عليه من السماء، و وافقهم على الفتك بالأسود و توافق المسلمون على ذلك، و تعاقدوا عليه، فلما أيقن ذلك في الباطن اطلع شيطان الأسود للأسود على شيء من ذلك، فدعا قيس بن مكشوح، فقال له: يا قيس ما يقول هذا؟ قال: و ما يقول؟ قال يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل، و صار في العز مثلك، مال ميل عدوك، و حاول ملكك، و أضمر على الغدر، إنه يقول يا أسود يا أسود يا سوآه يا سوآه، فطف به و خذ من قيس أعلاه و إلا سلبك و قطففك؟؟ [١] فقال له قيس و حلف له فكذب: و ذي الخمار لانت أعظم في نفسي و أجل عندي من أن أحدث بك نفسي، فقال له الأسود: ما إخالك تكذب الملك، فقد صدق الملك و عرف الآن أنك تائب عما اطلع عليه منك، ثم خرج قيس من بين يديه فجاء إلى أصحابه فيروز و داذويه، و أخبرهم بما قال له ورد عليه، فقالوا: إنا كلنا على حذر، فما الرأى، فبينما هم يشتورون إذ جاءهم رسوله فأحضرهم بين يديه، فقال: أ لم أشرفكم على قومكم؟ قالوا:
بلى، قال: فما ذا يبلغني عنكم؟ فقالوا: أقلنا مرتنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم، قال:
فخرجنا من عنده و لم نكد، و هو في ارتياب من أمرنا، و نحن على خطر، فبينما نحن في ذلك إذ جاءتنا كتب من عامر بن شهر، أمير همدان، و ذي ظليم، و ذي كلاع، و غيرهم من أمراء اليمن، يبذلون لنا الطاعة و النصر، على مخالفة الأسود، و ذلك حين جاءهم كتاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحثهم على مصاولة الأسود العنسيّ، فكتبنا اليهم أن لا يحدثوا شيئا حتى نبرم الأمر، قال قيس: فدخلت على امرأته
[١] كذا بالأصل.