البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٨ - قصة أخرى
فأرخا تلك الليلة، فإذا كسرى قد سلط اللَّه عليه ولده فقتله، فأسلما و أسلم نائب اليمن، و كان سبب ملك اليمن لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و أما إخباره (صلى اللَّه عليه و سلم) عن الغيوب المستقبلة فكثيرة جدا كما تقدم بسط ذلك، و سيأتي في أنباء التواريخ ليقع ذلك طبق ما كان سواء* و ذكر ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى (عليه الصلاة و السلام) جهاد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و في مقابلة زهد عيسى (عليه الصلاة و السلام)،
زهادة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن كنوز الأرض حين عرضت عليه فأباها، و قال: أجوع يوما و أشبع يوما
و أنه كان له ثلاث عشرة زوجة يمضى عليهنّ الشهر و الشهران لا توقد عندهن نار و لا مصباح إنما هو الأسودان التمر و الماء، و ربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، و ما شبعوا من خبز بر ثلاث ليال تباعا، و كان فراشه من أدم و حشوه ليف، و ربما اعتقل الشاة فيحلبها، و رقع ثوبه، و خصف نعله بيده الكريمة، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، و مات (صلى اللَّه عليه و سلم) و درعه مرهونة عند يهودي على طعام اشتراه لأهله، هذا و كم آثر بآلاف مؤلفة و الإبل و الشاء و الغنائم و الهدايا، على نفسه و أهله للفقراء و المحاويج و الأرامل و الأيتام و الأسرى و المساكين* و ذكر أبو نعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصديقة بوضع عيسى ما بشرت به آمنة أم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين حملت به في منامها، و ما قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فسميه محمدا، و قد بسطنا ذلك في المولد كما تقدم* و قد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا حديثا غريبا مطولا بالمولد أحببنا أن نسوقه ليكون الختام نظير الافتتاح، و باللَّه المستعان، و عليه التكلان و للَّه الحمد* فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حفص بن عمرو بن الصباح، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه البابلي، أنا أبو بكر بن أبى مريم عن سعيد بن عمر الأنصاري عن أبيه. قال: قال ابن عباس: فكان من دلالات حمل محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة: قد حمل برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و رب الكعبة، و هو أمان الدنيا و سراج أهلها، و لم يبق كاهن في قريش و لا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، و انتزع علم الكهنة منها، و لم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، و الملك مخرسا لا ينطق يومه لذلك، و فرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، و كذلك أهل البحار بشر بعضهم بعضا، و في كل شهر من شهوره نداء في الأرض و نداء في السموات: أبشروا فقد آن لأبى القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا. قال:
و بقي في بطن أمه تسعة أشهر، و هلك أبوه عبد اللَّه و هو في بطن أمه، فقالت الملائكة: إلهنا و سيدنا، بقي نبيك هذا يتيما، فقال اللَّه تعالى للملائكة: أنا له ولى و حافظ و نصير، فتبركوا بمولده ميمونا مباركا. و فتح اللَّه لمولده أبواب السماء و جناته، و كانت آمنة تحدث عن نفسها و تقول: أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة أشهر فوكزني برجله في المنام و قال: يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا، فإذا ولدتيه فسميه محمدا أو النبي، شأنك. قال: و كانت تحدث عن نفسها و تقول: لقد أخذنى