البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - القول فيما أعطى إدريس (عليه السلام)
ائتني بأهلى، قال اللَّه تعالى: لك ما وعدتك، كل مؤمن و مؤمنة لم يتخذ من دوني أندادا، و من أقرضنى قربته، و من توكل عليّ كفيته، و من سألني أعطيته، و لا ينقص نفقته، و لا ينقص ما يتمنى، لك ما وعدتك، فنعم دار المتقين أنت، قلت: رضيت، فلما انتهينا إلى سدرة المنتهى خررت ساجدا فرفعت رأسي فقلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا، و كلمت موسى تكليما، و آتيت داود زبورا، و آتيت سليمان ملكا عظيما، قال: فأنى قد رفعت لك ذكرك، و لا تجوز لأمتك خطبة حتى يشهدوا أنك رسولي، و جعلت قلوب أمتك أنا جيل، و آتيتك خواتيم سورة البقرة من تحت عرشي*
ثم روى من طريق الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى هريرة، حديث الأسراء بطوله، كما سقناه من طريق ابن جرير في التفسير، و قال أبو زرعة في سياقه: ثم لقي أرواح الأنبياء (عليهم السلام) فأثنوا على ربهم عز و جل، فقال إبراهيم: الحمد للَّه الّذي اتخذني خليلا، و أعطانى ملكا عظيما، و جعلني أمة قانتا للَّه محياي و مماتي، و أنقذنى من النار، و جعلها عليّ بردا و سلاما. ثم إن موسى أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي كلمني تكليما، و اصطفاني برسالته و بكلامه، و قربني نجيا، و أنزل عليّ التوراة، و جعل هلاك فرعون على يدي. ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي جعلني ملكا و أنزل عليّ الزبور، و ألان لي الحديد، و سخر لي الجبال يسبحن معه و الطير، و آتاني الحكمة و فصل الخطاب. ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي سخر لي الرياح و الجن و الانس، و سخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب و تماثيل و جفان كالجواب و قدور راسيات، و علمني منطق الطير، و أسال لي عين القطر، و أعطانى ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي. ثم إن عيسى أثنى على اللَّه عز و جل فقال: الحمد للَّه الّذي علمني التوراة و الإنجيل، و جعلني أبرئ الأكمه و الأبرص و أحيى الموتى بأذن اللَّه، و طهرني و رفعني من الذين كفروا، و أعاذنى من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.
ثم إن محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) أثنى على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه، و أنا مثن على ربى، الحمد للَّه الّذي أرسلنى رحمة للعالمين: و كافة للناس بشيرا و نذيرا، و أنزل عليّ الفرقان فيه تبيان كل شيء، و جعل أمتى خير أمة أخرجت للناس، و جعل أمتى وسطا، و جعل أمتى هم الأولون و هم الآخرون، و شرح لي صدري، و وضع عنى وزري، و رفع لي ذكرى، و جعلني فاتحا و خاتما.
فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)* ثم أورد إبراهيم الحديث المتقدم فيما رواه الحاكم و البيهقي من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب مرفوعا في قول آدم: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال اللَّه: و ما أدراك و لم أخلقه بعد؟ فقال: لأني رأيت مكتوبا مع اسمك على ساق العرش: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال اللَّه: صدقت يا آدم، و لو لا محمد ما خلقتك* و قال بعض الأئمة: رفع اللَّه ذكره، و قرنه