البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٣ - و من كتاب دلائل النبوة في باب إخباره (عليه الصلاة و السلام) عن الغيوب المستقبلة
و إني و اللَّه لقد أسلمت و صليت، و إن عمرا لأضل من بعير أهله، و إنما هو بلاء أنزله اللَّه عز و جل، فاصبروا،
فقام معاذ بن جبل فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبيكم هذين، و إن هذا الطاعون رحمة بكم و دعوة نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و إني قد سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: إنكم ستقدمون الشام فتنزلون أرضا يقال لها: أرض عموسة، فيخرج بكم فيها خرجان له ذباب كذباب الدمل، يستشهد اللَّه به أنفسكم و ذراريكم و يزكى به أموالكم،
اللَّهمّ إن كنت تعلم أنى قد سمعت هذا من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فارزق معاذا و آل معاذ منه الحظ الأوفى و لا تعافه منه، قال: فطعن في السبابة فجعل ينظر إليها و يقول: اللَّهمّ بارك فيها، فأنك إذا باركت في الصغير كان كبيرا، ثم طعن ابنه فدخل عليه فقال: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فقال سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* و ثبت في الصحيحين من حديث الأعمش و جامع بن أبى راشد عن شقيق بن سلمة عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الفتنة؟ قلت: أنا، قال هات، إنك لجريء، فقلت: ذكر فتنة الرجل في أهله و ماله و ولده و جاره يكفرها الصلاة و الصدقة و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، فقال: ليس هذا أعنى إنما أعنى التي تموج موج البحر، فقلت:
يا أمير المؤمنين إن بينك و بينها بابا مغلقا، قال: ويحك، يفتح اللَّه أم يكسر؟ قلت: بل يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلت: أجل، فقلنا لحذيفة: فكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، و إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق فسأله، فقال من بالباب؟ قال: عمر، و هكذا وقع من بعد مقتل عمر، وقعت الفتن في الناس، و تأكد ظهورها بمقتل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنهما* و قد قال يعلى بن عبيد عن الأعمش عن سفيان عن عروة بن قيس قال خطبنا خالد بن الوليد فقال: إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام فحين ألقى بوانيه بثنية و عسلا أراد أن يؤثر بها غيري و يبعثني إلى الهند، فقال رجل من تحته: اصبر أيها الأمير، فان الفتن قد ظهرت، فقال خالد: أما و ابن الخطاب حي فلا، و إنما ذاك بعده*
و قد روى الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: أبصر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على عمر ثوبا فقال:
أ جديد ثوبك أم غسيل؟ قال: بل غسيل، قال: البس جديدا، و عش حميدا، و مت شهيدا، و أظنه قال: و يرزقك اللَّه قرة عين في الدنيا و الآخرة* و هكذا رواه النسائي و ابن ماجة من حديث عبد الرزاق به،
ثم قال النسائي: هذا حديث منكر، أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق، و قد روى عن الزهري من وجه آخر مرسلا، قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: لا أعلم أحدا رواه عن الزهري غير معمر، و ما أحسبه بالصحيح، و اللَّه أعلم* قلت: رجال إسناده و اتصاله على شرط الصحيحين و قد قيل الشيخان، تفرد معمر عن الزهري في غير ما حديث، ثم قد روى البزار هذا الحديث من