البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٠ - فصل في ترتيب الأخبار بالغيوب المستقبلة بعده (عليه الصلاة و السلام)
و ثلاثمائة، و قيل: و خمسمائة، و كلهم استمر على السداد و الاستقامة حتى مات رضى اللَّه عنهم أجمعين* و ثبت في صحيح البخاري البشارة لعكاشة بأنه من أهل الجنة فقتل شهيدا يوم اليمامة*
و في الصحيحين من حديث يونس عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة أنه سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر، فقام عكاشة ابن محصن الأسدي يجر نمرة عليه، فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):
اللَّهمّ اجعله منهم، ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال:
سبقك بها عكاشة*
و هذا الحديث قد روى من طرق متعددة تفيد القطع، و سنورده في باب صفة الجنة، و سنذكر في قتال أهل الردة أن طلحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن شهيدا رضى اللَّه عنه، ثم رجع طلحة الأسدي عما كان يدعيه من النبوة و تاب إلى اللَّه، و قدم على أبى بكر الصديق و اعتمر و حسن إسلامه*
و ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: بينا أنا نائم رأيت كأنه وضع في يدي سواران فقطعتهما، فأوحى إلى في المنام: أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذا بين يخرجان، صاحب صنعاء، و صاحب اليمامة*
و قد تقدم في الوفود
أنه قال لمسيلمة حين قدم مع قومه و جعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، فوقف عليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قال له: و اللَّه لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه، و لئن أدبرت ليعقرنك اللَّه، و إني لأراك الّذي أريت فيه ما أريت*
و هكذا وقع، عقره اللَّه و أهانه و كسره و غلبه يوم اليمامة، كما قتل الأسود العنسيّ بصنعاء، على ما سنورده إن شاء اللَّه تعالى*
و روى البيهقي من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال: لقي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مسيلمة فقال له مسيلمة: أ تشهد أنى رسول اللَّه؟
فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): آمنت باللَّه و برسله، ثم قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن هذا رجل أخّر لهلكة قومه
* و قد ثبت في الحديث الآخر أن مسيلمة كتب بعد ذلك إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من مسيلمة رسول اللَّه، إلى محمد رسول اللَّه، سلام عليك، أما بعد فأنى قد أشركت في الأمر بعدك، فلك المدر ولى الوبر، و لكن قريشا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فان الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين. و قد جعل اللَّه العاقبة لمحمد و أصحابه، لأنهم هم المتقون و هم العادلون المؤمنون، لا من عداهم*
و قد وردت الأحاديث المروية من طرق عنه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الأخبار عن الردة التي وقعت في زمن الصديق فقاتلهم الصديق بالجنود المحمدية حتى رجعوا إلى دين اللَّه أفواجا، و عذب ماء الأيمان كما كان بعد ما صار أجاجا، و قد قال اللَّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى