البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٩ - فصل في ترتيب الأخبار بالغيوب المستقبلة بعده (عليه الصلاة و السلام)
أبا بكر*
و هكذا وقع، فأن اللَّه ولاه و بايعه المؤمنون قاطبة كما تقدم*
و في صحيح البخاري: أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه أ رأيت إن جئت فلم أجدك؟- كأنها تعرض بالموت- فقال: إن لم تجديني فأت أبا بكر*
و ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر و أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: بينا أنا نائم رأيتني على قليب، فنزعت منها ما شاء اللَّه، ثم أخذها ابن أبى قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، و في نزعه ضعف و اللَّه يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا من الناس يفرى فريه، حتى ضرب الناس بعطن،
قال الشافعيّ (رحمه اللَّه): رؤيا الأنبياء وحي، و قوله: و في نزعه ضعف، قصر مدته، و عجلة موته، و اشتغاله بحرب أهل الردة عن الفتح الّذي ناله عمر بن الخطاب في طول مدته، قلت: و هذا فيه البشارة بولايتهما على الناس، فوقع كما أخبر سواء، و لهذا جاء في الحديث الآخر الّذي
رواه أحمد و الترمذي و ابن ماجة و ابن حبان من حديث ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال: اقتدوا باللذين من بعدي، أبى بكر و عمر رضى اللَّه عنهما،
و قال الترمذي: حسن، و أخرجه من حديث ابن مسعود عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و تقدم من طريق الزهري عن رجل عن أبى ذر حديث تسبيح الحصى في يد رسول اللَّه، ثم يد أبى بكر، ثم عمر، ثم عثمان، و قوله (عليه السلام): هذه خلافة النبوة*
و في الصحيح عن أبى موسى قال: دخل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حائطا فدلى رجليه في القف فقلت: لأكونن اليوم بواب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فجلست خلف الباب فجاء رجل فقال: افتح، فقلت: من أنت؟
قال: أبو بكر، فأخبرت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال: افتح له و بشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال كذلك، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له و بشره بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل و هو يقول: اللَّه المستعان*
و ثبت في صحيح البخاري من حديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس قال: صعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحدا و معه أبو بكر و عمر و عثمان، فرجف بهم الجبل، فضربه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) برجله و قال:
اثبت، فأنما عليك نبي و صديق و شهيدان*
و قال عبد الرزاق: أنا معمر عن أبى حازم عن سهل بن سعد أن حراء ارتج و عليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبو بكر و عمر و عثمان، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اثبت ما عليك إلا نبي و صديق و شهيدان،
قال معمر: قد سمعت قتادة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله،
و قد روى مسلّم عن قتيبة عن الدراوَرْديّ عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و على و طلحة و الزبير، فتحركت الصخرة فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد*
و هذا من دلائل النبوة، فان هؤلاء كلهم أصابوا الشهادة، و اختص رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بأعلى مراتب الرسالة و النبوة، و اختص أبو بكر بأعلى مقامات الصديقية* و قد ثبت في الصحيح الشهادة للعشرة بالجنة بل لجميع من شهد بيعة الرضوان عام الحديبيّة، و كانوا ألفا و أربعمائة، و قيل: