موسوعة الإمام الجواد(ع) - الشيخ أبو القاسم الخزعلي - الصفحة ٥٧٣ - أ- ما رواه عن الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين
استفتحت بالدعاء أبواب نعمته، و استمطرت شابيب رحمته، فلا يقنّطنّك إبطاء إجابته، فإنّ العطيّة على قدر النيّة، و ربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، و أجزل لعطاء الامل، و ربّما سألت الشيء فلا تؤتاه، و أوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله و ينفي عنك وباله، فالمال لا يبقى لك و لا تبقى له.
و اعلم! أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدنيا، و للفناء لا للبقاء، و للموت لا للحياة، و أنّك في منزل قلعة، و دار بلغة، و طريق إلى الآخرة، و أنّك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه، و لا بدّ أنّه مدركه، فكن منه على حذر أن يدركك و أنت على حال سيّئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتوبة، فيحول بينك و بين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك.
يا بنيّ! أكثر من ذكر الموت، و ذكر ما تهجم عليه، و تفضي بعد الموت إليه، حتّى يأتيك و قد أخذت منه حذرك، و شددت له أزرك، و لا يأتيك بغتة فيبهرك.
و إيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها، و تكالبهم عليها، فقد نبّأك اللّه عنها، و نعت لك نفسها، و تكشّفت لك عن مساويها، فإنّما أهلها كلاب عاوية، و سباع ضارية، يهرّ بعضها بعضا، و يأكل عزيزها ذليلها، و يقهر كبيرها صغيرها.
نعم معقّلة، و أخرى مهملة، قد أضلّت عقولها، و ركبت مجهولها، سروح عاهة بواد وعث، ليس لها راع يقيمها، و لا مسيم يسيمها.
سلكت بهم الدنيا طريق العمى، و أخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، و غرقوا في نعمتها، و اتّخذوها ربّا، فلعبت بهم، و لعبوا بها، و نسوا ما وراءها.