موسوعة الإمام الجواد(ع) - الشيخ أبو القاسم الخزعلي - الصفحة ٥٦٧ - أ- ما رواه عن الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين
بسم اللّه الرحمن الرحيم من الوالد الفان، المقرّ للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذامّ للدنيا، الساكن مساكن الموتى، و الظاعن عنها غدا.
إلى المولود المؤمّل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام، و رهينة الأيّام، و رمية المصائب، و عبد الدنيا، و تاجر الغرور، و غريم المنايا، و أسير الموت، و حليف الهموم، و قرين الأحزان، و نصب الآفات، و صريع الشهوات، و خليفة الأموات.
أمّا بعد فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدنيا عنّي و جموح الدهر عليّ و إقبال الآخرة إليّ ما يزعني عن ذكر من سواي، و الاهتمام بما ورائي، غير أنّي حيث تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي، فصدفني رأيي و صرفني عن هواي، و صرّح لي محض أمري، فأفضي بي إلى جدّ لا يكون فيه لعب، و صدق لا يشوبه كذب، و وجدتك بعضي، بل وجدتك كلّي حتّى كأنّ شيئا لو أصابك أصابني، و كأنّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت.
فإنّي أوصيك بتقوى اللّه، أي بنيّ، و لزوم أمره، و عمارة قلبك بذكره، و الاعتصام بحبله، و أيّ سبب أوثق من سبب بينك و بين اللّه إن أنت أخذت به؟
أحي قلبك بالموعظة، و أمته بالزهادة، و قوّه باليقين، و نوّره بالحكمة، و ذلّله بذكر الموت، و قرّره بالفناء، و بصّره فجائع الدنيا، و حذّره صولة الدهر و فحش تقلّب الليالي و الأيّام.
و أعرض عليه أخبار الماضين، و ذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين،