مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٦٠ - مولد المناوي
و جاء به فلما رآه داخلا نهض له قائما على الأقدام و قال: أشهد أن هذا الذي يفتح اللّه ببركته مصر و الشام و المدائن العراقيّة، أشهد أنّ هذا رسول ربّ العالمين و خير الأنام، أشهد أن هذا الذي دلّت الكتب القديمة على أوصافه السّنيّة، و بين كتفيه خاتم النبوّة قد غمره اللّه تعالى بالأنوار العظام ثم قال لعمّه: ارجع به إلى مكة حذرا عليه من أهل الملّة اليهودية. فامتثل أبو طالب أمر الراهب و نوى الرجوع إلى مكة و لوى نحوها الزّمام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
و قد اشتهر صلى اللّه عليه و سلم بالأمين لأمانته الصّدقيّة، فسمعت خديجة بذلك فبعثت إليه خادما من الخدّام فلما حضر إليه أعطته مالها للتجارة و طلبت منه السفر إلى البلاد الشاميّة، فخرج صلى اللّه عليه و سلم مسافرا مع ميسرة الغلام، و أوصت خديجة ميسرة عليه و بالغت في الوصيّة، و أمرته أن يكون قائما بخدمته حق القيام. و نزل صلى اللّه عليه و سلم تحت شجرة ليستظلّ بها فأظلّته و أرخت عليه أغصانها الوارفيّة، فرآه راهب من صومعته فعرفه لما مالت نحوه الشجرة و أظلّه في الهجير الغمام، فسأل ميسرة عن أوصاف فيه، فأجاب بها و هي أوصاف نبويّة، فقال له: هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا تفارقه في غدوّه و رواحه و اليقظة و المنام، هذا الذي ينزل عليه الوحي بالايات الإلهيّة، و ينشر اللّه ذكره بين عباده و ترتسم محبّته في قلوب أحبابه أيّ ارتسام. ثم سار صلى اللّه عليه و سلم مسافرا حتى دخل سوق المدينة البصروية، فقضى تجارته فيها و أخذ في الرّجوع إلى مكة المشرّفة ببيت اللّه الحرام. و لما أشرف على أماكن مكة أضاءت بأنواره شوارعها و أماكنها البهيّة، فرأته خديجة مقبلا و بين يديه للهداية أعلام ثم رأت ملائكة قد أظلّته من حرّ الشمس في الأوقات الهجيريّة، فهاج قلبها بمحبّته و أقلقها شديد الوجد و فرط الغرام، فقالت لميسرة: ما رأيت منه في مساعيكما السّفريّة، فقال لها: يا سيدتي رأيت الأشجار سجدت و الأحجار سلّمت و أظلّه في أوقات القيظ الغمام و أوصاني راهب من صومعته بعدم مفارقته في اللحظات الليليّة و النهاريّة، و أن أكون قائما بخدمته و أتمّ لها ما أودعه الراهب إليه حق إتمام فربحت تجارتها و نمت و ظهرت فيها البركات الربّانية، و رغبت في نكاحه لما عاينت و سمعت في شأنه من ميسرة طيّب الكلام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
ثم عرضت نفسها عليه بالتّزويج لتنال من مواهبه اللدنيّة و تلتمس من بركاته ما يكون