مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٦١ - مولد المناوي
سببا للفوز بدار المقام، فظهر أمرها بين السادة القرشية فقالوا: كيف ترضاه لنفسها و هو فقير مع أنه أسعد العرب و الأعجام، و قد خطبها قبل ذلك أكابر مكة فلم ترض لسابق سعادتها الأزليّة و قد رضيت به صلى اللّه عليه و سلم أن يكون لها زوجا. فيا نعم الرضى و يا شرف الرّاضية في الأبد على الدّوام. ثم أخبر صلى اللّه عليه و سلم أعمامه بما دعته إليه الكريمة النّقيّة، فرغب في ذلك الحمزة و العباس و فرح فرحا شديدا سائر الأعمام، فجمع أبو طالب رؤساء الحرم و دخلوا على أبيها خويلد فخطبها إليه و خطب لهم خطبة سنيّة، تدلّ على شرف أصولهم و رفعة مقدارهم الذي لا يسام. ثم مدح ابن أخيه محمدا بالعزّ الأفخر و الحظ الأوفر و الخصال المحمودة العليّة، و أطال المدح فيه بالأقوال العظام، و لا يخفاك أيّها السامع أن أوصافه صلى اللّه عليه و سلم لا تحصرها العقول و لا الإدراكات الفهميّة، فلو كانت الأشجار أقلاما و البحار مدادا و أهل السّماوات و الأرضين كتّابا ما بلغوا من بعض صفاته إلا كخيال النّجم في الماء في دجى الظلام. فزوّجها صلى اللّه عليه و سلم فيا لها من زوجيّة، و رزق منها بفاطمة و زينب و رقيّة و أمّ كلثوم و عبد اللّه و القاسم الملقّب بالألقاب العظام، ثم رزقه اللّه بولد آخر من مارية القبطيّة فسمّاه المصطفى صلى اللّه عليه و سلم باسم أبيه إبراهيم خليل الملك العلّام، و هؤلاء السبعة يجب على المكلّف معرفتهم كما تجب معرفة أجداده النّسبيّة، فيا سعادة من عرفهم لأن معرفتهم من جملة شرائع الإسلام، و سنذكر نسبه إن شاء اللّه تعالى بعد هذا الباب تبرّكا بدرر جواهره النّقيّة، فإنه نسب شريف طاهر نظمت درره و جواهره في أحسن سلك أجلّ انتظام، و كان عمره صلى اللّه عليه و سلم حين تزوّج بخديجة خمسا و عشرين سنة هلاليّة، و سنّها أربعين بعد خمس كما في نصوص الأفاضل الفخام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
و أما نسبه صلى اللّه عليه و سلم فهو سلسلة ذهبية، جاءت بتوفيق اللّه تعالى في غاية الانتظام، فهو سيّدنا محمد بن عبد اللّه الملقّب بالذّبيح كما وقع للحضرة الإسماعيلية، ابن عبد المطلب بن هاشم لكثرة نحره الإبل و هشمها للأقوام، ابن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب ذي الهمّة و الشجاعة القويّة، ابن مرّة بن كعب بن لؤيّ البطل الهمام، ابن غالب بن فهر و هو قريش و إليه تنسب القبائل القرشية، ابن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة الذي كان للعدى أقوى خزّام [١]، ابن مدركة بن إلياس و كانت تسمع من النبيّ صلى اللّه عليه و سلم في صلبه أذكاره التّسبيحيّة، و هو أول من أهدى هداياه للبيت الحرام، ابن مضر بن نزار بن معدّ بن
[١] خزم الشيء يخزمه خزما: شكّه. (لسان العرب).