مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٣٢ - شفاء السقيم بمولد النبيّ الكريم
روى الطبراني عن ابن شهاب، أنه قال: سبى النبي صلى اللّه عليه و سلم جويرية بنت الحارث يوم المريسيع فحجبها و قسم لها مع زوجاته. روي أنه لما سباها و تزوج بها جاء أبوها فقال:
إن ابنتي لا يسبى مثلها فخلّ سبيلها. فقال: أ رأيت إن خيّرتها أ ليس قد أحسنت، قال:
بلى، فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيّرك فلا تفضحينا، قالت: فإني أختار اللّه و رسوله. توفيت و عمرها خمس و ستون سنة و دفنت بالمدينة. ثم في سنة سبع من الهجرة تزوج صلى اللّه عليه و سلم بثلاثة، أم حبيبة و هي رملة، و صفية و ميمونة، و جميع نسائه صلى اللّه عليه و سلم من العرب إلا صفية فمن بني إسرائيل، و ستة منهن من قريش و هن خديجة و عائشة و حفصة و أم حبيبة و أم سلمة و سودة، و أربعة من حلفاء قريش لكن من العرب و هن زينب بنت جحش و زينب أم المساكين و ميمونة و جويرية. و لم يأخذ بكرا إلّا عائشة، و لم يمت في حياته إلّا خديجة و أم المساكين.
و لما بلغ صلى اللّه عليه و سلم أربعين سنة كثّر اللّه الشهب الطاردة للشياطين عن استماع الوحي من السماء و صار لا يمر على شجر و لا حجر إلا قال له بلسان فصيح: السلام عليك يا رسول اللّه، لكونه صار نبيا رسولا، فأتاه الوحي مناما و بعد ذلك بنحو ستة أشهر صار الوحي يأتيه يقظة.
أخرج البخاري عن عائشة قالت: أول ما بدىء به من الوحي الرؤية الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح و كان يأتي حراء فيتحنث فيه- و هو التعبد- الليالي ذوات العدد و يتزوّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى فجأه الحق و هو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، قال، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) [العلق: الآية ١]، حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: الآية ٥]، فرجع بها يرجف فؤاده حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: يا خديجة ما لي، و أخبرها الخبر و قال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا و اللّه لا يخزيك اللّه أبدا إنك لتصل الرحم و تصدق الحديث، و تحمل الكل و تقري الضيف و تعين على نوائب الحق ثم أتت به ورقة بن نوفل فقص عليه ما رآه فقال له: إن جبريل الذي جاءك هو الناموس الذي أنزل على موسى و عيسى ليتني كنت حيا إذ يخرجك قومك من مكة قال: أو مخرجي هم، قال: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي و حينئذ أسلمت خديجة و علي و أبو بكر ثم لما كملت له صلى اللّه عليه و سلم ثلاث و أربعون سنة نزل عليه قوله تعالى:
قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) [المدّثّر: الآية ٢] فصار صلى اللّه عليه و سلم يطوف على الناس في منازلهم يقول: اعبدوا