مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٥٧ - مولد المناوي
وحوش كثيرة كاسريّة، فخرج علينا سبع عظيم فلما رآه خضع له و حول جنابه الرّفيع حام، و انكسرت شاة فذهبت تعدو إليه كأنها تشكو له ما أصابها من الوجع و البليّة، فوضع يده صلى اللّه عليه و سلم على كسرها فانجبر كأن لم يكن بها شيء من الآلام فلما سمع أبوه أخباره العليّة، قال: يا حليمة أنا لهذا المولود من جملة الخدّام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
و ما زال صلى اللّه عليه و سلم يخرج مع إخوته إلى المراعي كعادته الأصليّة، و هم يرون له في كل يوم من الآيات ما لا تحيط به عقول و لا تدركه أفهام، فجاءه ذات يوم من السماء ملكان عليهما ثياب بيض نقيّة، بوجوه كالأقمار متخلّقين بالأخلاق العظام، فأضجعاه على الجبل و شقّا صدره و أزالا منه الحظوظ الشيطانيّة، و ملاه من العلم و اليقين و الإيمان و الإسلام، ثم شقّا قلبه و أخرجاه و غسلاه بالثلج حتى صار جوهرة نقيّة، ثم ردّاه إلى مكانه و ختما عليه بختام، ثم وزناه فعدل جميع الخلائق الخيريّة، ثم قبّلاه بين عينيه و قيل في رأسه و قالا له: ما عليك من خوف بعد هذا يا باب الرّضى و الإكرام. فلما رأى أخوه من الرّضاعة ما حلّ به ذهب يعدو إلى أمّه قائلا لها: قتل أخونا المنسوب إلى السّادة القرشية. فخرجت حليمة مسرعة و معها جملة من الأقوام فلما وصلت إليه رأته فوق صخرة و علامة القبول على وجهه ظاهرة جليّة، فضمّته و قالت له: يا حبيبي ما الذي أصابك، فحدّثها بما فعلته به الملائكة الكرام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
فلما سمع أبوه من الرّضاعة منه مقالته المحكيّة، أخذه من أجله شدائد الاغتمام، و قال لزوجته: اذهبي به إلى ديارنا الوطنية، قالت حليمة: فحملناه و جئنا به نحو الخيام، فلما رآه الناس قالوا: أصابه لمم فاذهبوا به إلى كاهن يداويه بحكمته الحقيقية. فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: نفسي سليمة و فؤادي صحيح ليس به سقام. فغلبوا عليه في الأمر فتوجّهت حليمة به إلى كاهن النصرانيّة و أخبرته بخبره فقال: لا بدّ أن أسمع منه الكلام.
فتقدّم إليه المصطفى صلى اللّه عليه و سلم و أخبره بما فعلته به الملائكة الروحانية، فقبض الكاهن يده و وثب قائما على الأقدام و نادى بأعلى صوته: يا آل العرب يا آل العرب من شرّ قد اقتربت ساعاته الوقتية. فلما اجتمعت عليه الناس قال لهم: اقتلوا هذا الغلام فإنكم لو أبقيتموه و أدرك مدرك الرّجولية ليسفّهنّ أحلامكم و ليبدّلنّ أديانكم و ليبطلنّكم عبادة