مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٧١ - مولد المناوي
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
و لما شرع ملك الموت في قبض روحه الزكية، أخذ جبينه في العرق من شدّة الآلام، فقال: باسم اللّه بأعلى فصاحة لسانيّة، و ثنّى بالحمد للّه لأنه قادم على أجلّ منزلة و أعزّ مقام، و لما نزلت به الغمرات و أخذته السّكرات الكربيّة، قالت فاطمة رضي اللّه عنها: و اكرب أبتاه، فقال لها ٧: لا كرب على أبيك بعد اليوم. هكذا رواه البخاري القدوة الإمام، و كان فوق رأسه قدح فيه ماء فكان يأخذ منه بيده الشريفة و يمسح جبهته الوضئيّة، و هو يتألّم ممّا حلّ به من الخطوب الجسام، ثم جعل يقول: اللّهمّ الرّفيق الأعلى. فهو آخر كلام قاله في هذه الدّار الدّنيوية، إلى أن انقضى ما كان كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (٢٧) [الرّحمن: الآيتان ٢٦، ٢٧] و ذلك في يوم الاثنين، فحلّ بالمسلمين ما حلّ من الكروبات التي تعجز الأقلام عن أن تضبط لها كيفيّة، و ماج الناس بعضهم في بعض فمنهم من غاب و منهم من أغمي عليه و منهم من أخرس و منهم من أقعد فلم يستطع القيام، و كان أجزع الناس كلّهم عمر بن الخطاب، فأخذ بقائم سيفه و قال: لا أسمع أحدا يقول مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلّا ضربته بسيفي هذا.
فيا لها من مصيبة و كربة و بليّة، رشقت نبالها بصميم أفئدة أهل الإسلام، فطلب الناس أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه، و كان غائبا، فأقبل و عيناه تهملان و زفراته تتردّد و قد ثبّته اللّه تعالى و كم للّه من عناية ربانيّة، فدخل على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فأكبّ عليه و كشف الثوب عن وجهه و قبّله و قال: طبت حيّا و ميّتا و انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء قبلك و جلّ مقامك عن أن تدركه الأفهام. ثم سجّاه و خرج من عنده صلى اللّه عليه و سلم و عمر يكلّم الناس يقول لهم: لم يمت خير البريّة، فقال أبو بكر: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس لما حصل له من الدّهشة و الحزن و استمر على القيام، فأقبل الناس إليه و تركوا عمر فقال:
أما بعد، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حيّ لا يموت. بعد أن تشهّد و أثنى على اللّه تعالى بكل مزيّة، ثم قرأ: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: الآية ١٤٤] الآية، فكأنّ الناس لم يعلموها حتى تلاها أبو بكر فتلقّاها الناس منه كلّهم على التّمام. ثم أمر بتجهيزه فشرعوا في تجهيزه مع الملائكة الروحانية، فغسّله عليّ في قميصه و العباس و ابنه الفضل يعينانه و قثم و أسامة و شقران مولاه صلى اللّه عليه و سلم يصبّون الماء و أعينهم معصوبة من وراء السّتر و هم في غاية الاغتمام، ثم كفّنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية، و صلّت عليه الرجال فرادى بعد أن صلّت عليه ملائكة الملك العلّام، ثم صلّت عليه النّساء و الصبيان بوصيّة منه في حياته الدّنيوية، و دفن في موضع ما قبض صلى اللّه عليه و سلم ثم أحياه اللّه تعالى في قبره و تعرض عليه أعمالنا صالحة و خبيثة،