مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢١٤ - مولد إنسان الكمال
الإلهية، مهتديا بسرج عنايتها إلى التقاط درر تنظم في مولد إنسان الكمال، راجيا إدراجي فيمن توّجوا ألفاظهم بنسج حلل هاتيك المحاسن الصّفاتية، مستمدا من فيض قطب الوراثة سيدي أحمد التّيجاني تاج أهل الكمال، باديا بذكر تجلي الظهور من كنز عماء الخفاء للأعيان العرفانية، قائلا: لما أراد اللّه إظهار نور الوجود تجلّى بنفسه على نفسه بملابس الجلال و الجمال، فطهرت أحديّة الحقّ بوحدة الحقيقة الكليّة، فتعيّن النّور الأول متطوّرا بمظاهر الأعيان على غير مثال.
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
و الخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
فمن مظاهر ذلك النور: روحانية الهباء المتحقّقة بالحقيقة المحمديّة، التي ظهر منها العرش و الكرسيّ و اللوح و قلم التفصيل و الإجمال، فانهار هيولى العالم على حسب ظهورات الأعيان العلمية، فبدت الجواهر ممدودة بأعراضها الحسّيّة و المعنوية في الحال، و انبثّت هيولى البسائط، و تركّبت منها الأجسام الفلكيّة ثم دارت بيد القدرة متفاوتة في العظم على حسب حكمة الكبير المتعال. فلم تزل تدور بما شاء اللّه أن تدور به من العوالم الروحانية و الجسمانية، و حسبك قوله تعالى: وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [النّحل: الآية ٨] فإنه صريح في هذا المجال. و لما دارت أفلاك السيّارة منوّرة بأنوارها الشّمسية، مقسّمة للزمان بين الليل و النهار متوالجين بحكمة ذي الجلال، نتج من توالجهما بسير السيارة عناصر المولّدات الجسمية، فخلق اللّه بيده المنزّهة ذات صفيّه آدم أبي البشر من صلصال، ظاهرة على صورة الهيبة الإلهيّة الرّحموتية و نفخ فيه من روحه كرامة لحبيبه المتوّج بالقبول و الإجلال، فقام بشرا سويّا محفوفا بتلك الأنوار الجماليّة، فجعل صلبه مقرّا للدّرّة اليتيمة المتطوّرة بظهور صور الأشكال، فاصطفّت الملائكة و راءه لشهود هاتيك الأنوار القدسية، فطلب من اللّه أن ينوّر بها جبهته لتكون الملائكة له في استقبال، فنقلها فتحوّلت الملائكة لتحوّل تلك الطّلعة النورية، فأمرهم الحق بالسجود له لسرّ قصر العقل عنه و صار في عقال، ثم خلق حواء من ضلعه لسرّ تطوّر نور الوجود في الأرحام البشريّة، فزوّجه اللّه بها ليكون تنقّل تلك الدّرّة في نكاح من حلال، و كان مهرها الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم صيغة مرضيّة، فدنا منها فانتشرت بينهما الذرّيّة من نساء و رجال، و لم تزل تلك الدّرة منتقلة في الأصلاب الطاهرة و الأرحام الزكية، إلى أن انتهت إلى صلب الذّبيح عبد اللّه سيّد بني هاشم في الحال و المال.