مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٢٦ - شفاء السقيم بمولد النبيّ الكريم
و روى أبو نعيم و غيره عن ابن عباس قال: كان بنو أبي طالب يصبحون عمشا رمصا و يصبح محمد صلى اللّه عليه و سلم صقيلا دهينا كحيلا، و كان أبو طالب يحبه حبا شديدا لا يحب أولاده كذلك و لذا لا ينام إلّا إلى جنبه و يخرج به متى خرج.
و ذكر ابن قتيبة في غريب الحديث: أنه كان يوضع له الطعام و لصبية أبي طالب فيتطاولون إليه و يتقاصر هو و تمتد أيديهم و تنقبض يده تكرما منه و استحياء و نزاهة نفس و قناعة قلب و يصبحون عمشا رمصا مصفرة ألوانهم و يصبح هو صلى اللّه عليه و سلم صقيلا دهينا كأنه في أنعم عيش و أعز كفاية لطفا من اللّه تعالى به، و لما بلغ صلى اللّه عليه و سلم اثنتي عشرة سنة، و قيل ثلاثة عشر، خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام حتى بلغ بصرى- بضم الباء- مدينة من عمالة الشام هي أول مدينة فتحت بابها فرآه بحيرى الراهب- بفتح الباء و كسر الحاء المهملة آخره راء مقصورة- و اسمه جرجيس- بكسر الجيمين- كان إليه علم النصرانية فعرفه بصفته.
و في رواية للترمذي و البيهقي و ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام و معه النبي صلى اللّه عليه و سلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب- يعني بحيرى- هبطوا فحلّوا رحالهم فخرج إليهم و كان قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم و لا يلتفت، قال: فنزل و هم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال:
هذا سيد المرسلين، هذا سيد العالمين، هذا يبعثه اللّه رحمة للعالمين، فقيل له: و ما علمك بذلك، قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر و لا حجر إلّا خرّ ساجدا و لا يسجدان إلّا لنبي و إني أعرفه بخاتم النبوءة في أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة و إنا نجده في كتبنا.
و في حديث البيهقي و أبي نعيم: أن بحيرة رآه و هو في صومعته في الركب حين أقبلوا و غمامة بيضاء تظلّه من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلّت الشجرة و تهصرت- أي مالت- على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حتى استظل تحتها، أراد الواقدي أنه صلى اللّه عليه و سلم لما فارق تلك الشجرة التي كان جالسا تحتها و قام انقلعت من أصلها، زاد في رواية ابن إسحاق أنه قال له: يا غلام أسألك بحق اللات و العزى إلّا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال صلى اللّه عليه و سلم: لا تسألني بهما شيئا فو اللّه ما أبغضت شيئا قط بغضهما. فقال له بحيرى: فباللّه إلّا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن حاله و نومه و هيئته و أموره و يخبره صلى اللّه عليه و سلم فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، و رأى خاتم النبوّة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده فلما فرغ أقبل على عمه فقال له: ما هذا الغلام منك، قال: ابني، قال: فما هو ابنك و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه، قال: مات و أمه حبلى به.