مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٧٢ - اليمن و الإسعاد بمولد خير العباد
و أمانا و أبعدهم عن الفحش و ما لا يليق. حتى سمي قبل نبوءته بالأمين و الصدّيق لما شاهدوه من أمانته و صدقه و طهارته. و ما جمعه اللّه فيه من الأخلاق الحميدة و الفعال الكريمة السديدة و كان أحلم الناس و أشجع الناس و أجود الناس و أكرم الناس و أعدل الناس و أعفّ الناس و أرأف الناس بالناس و خير الناس للناس و أنفع الناس للناس و ألين الناس كفا و أحسنهم لطفا. و أطيبهم ريحا و نفسا و أكملهم معنى و حسا و أحسنهم عشرة و عشيرة. و أجملهم سيرة و سريرة. و أعلمهم باللَّه و أشدهم خشية للَّه و أبعدهم غضبا و أسرعهم رضى و أكملهم أدبا، و أفصحهم منطقا و أحلاهم كلاما و أعلاهم جاها و مقاما.
و أعزّهم نفسا و أكثرهم إصابة و حدسا. لا يبدي في غير حاجة نطقا، و لا يقبل في الرضى و الغضب إلا حقا. يعرض عمّن تكلم بغير طائل. و لا يقرّ أحدا على باطل. و يرى اللعب المباح أحيانا فلا ينكر و ترفع الأصوات عليه من بعض جفاة الأعراب فيصبر. مجلسه مجلس حياء و علم و صيانة و تواضع و صبر و أمانة. لا تنتهك فيه الحرمات و لا ترفع فيه من أحد من أصحابه الأصوات، يكرم أهل الفضل و يتألف أهل الشرف و البذل و لا يجفو على أحد جفا لديه و يقبل المعذرة ممن اعتذر إليه و يمزح و لا يقول إلا الحق و لا يقوم و لا يجلس إلا على ذكر أو علم أو حق و لا يمضي له وقت في غير عمل للَّه، أو ما لا بد منه من صلاح دنياه شديد الحياء و التواضع. تاركا لما فيه ترفع أو تنافس أو تمانع.
يخصف أي يحزز نعله و يرقع ثوبه، و يحلب شاته و يخدم نفسه، و يسير في أهله بسيرة سرية، حسنة جميلة بهية، يخدم في مهنتهن و يقطع معهم اللحم ببيتهن. و يحب المساكين و يجلس معهم و يعود مرضاهم و يشيع جنائزهم، و ربما مشى بلا رداء و لا نعل راجلا حافيا، و رأسه الشريف بلا قلنسوة و لا عمامة عاريا مع بعض أصحابه يعود المرضى في أقصى المدينة، زاده اللّه عزّا و شرفا و استكانة و سكينة، و كان يجيب دعوة الحرّ و العبد و المسكين، و يلبس ما وجد و يأكل ما حضر في الحين، و يركب ما تيسر من بعير و بغل و فرس و حمار. و يردف وراءه الكبار و الصغار و لم يكن الركوب له عادة مستمرة بل يؤثر المشي إلا في الأحوال القليلة النادرة. و ما ذم قط ذواقا و لا عاب طعاما له بل إن اشتهاه أكله و إلا تركه أو بذله. و ما عاب أيضا قط مضجعا بل إن فرشوا له اضطجع. و إلا نام على الأرض و هجع، و كان يقبل الهدية و لو أنها فخذ أرنب أو جرعة ماء و يكافئ عليها مكافأة من لا يخشى فاقة بالعطاء، و يكرم من يصل إليه و ربما بسط له ثوبه و أجلسه عليه.
و آثره بالوسادة التي لديه، و كان يقلل الأكل ما استطاع. و يرفع من مائدته لأهل الصفة و غيرهم من الجياع. و ربما ربط الحجر على بطنه الشريف من الجوع، رغبة عن الدنيا و طلبا للإيثار بها و التأسي به في تركها و الخضوع، و قد أوتي الخزائن الإلهية و مقاليدها أجمع. و راودته الجبال الشم بأن تكون له ذهبا أو طعاما أو ما شاء و تسير معه حيثما سار فأعرض عنها و امتنع. و كان لا يستصفيه أحد من الناس إلا و يظن أنه لديه أكرم