مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٦٣ - مولد المناوي
يخرج من مكة إلى غار حراء بقصد العبادة و يستقبل بوجهه القبلة القدسية، إلى أن أتاه فيه صريح الحقّ من الملك العلّام، فجاءه الأمين جبريل بالرسالة فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ. فغطّه ثم أرسله فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، إذ لا يعرف هذه الكيفيّة، فغطّه ثم أرسله فقال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق: الآيات ١- ٥] جلّ من أنزل هذا الكلام. فرجع صلى اللّه عليه و سلم إلى خديجة و فؤاده يرتجف من المهابة الرّوعيّة، و قال: زمّلوني زمّلوني، ليذهب عنه ما به من الأوهام. ثم غاب الوحي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حتى أنزل اللّه عزّ و جل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) [المدّثر: الآيات ١- ٧] فتلقّاها النبيّ صلى اللّه عليه و سلم من جبريل و بأعباء الرّسالة قام.
تأمّل حراء في جمال محيّاه * * * فكم من أناس من حلى حسنه تاهوا
فمما حوى من جا لعلياه زائرا * * * يفرّج عنه الهمّ في حال مرقاه
به خلوة الهادي الشّفيع محمّد * * * و فيه له غار له كان يرقاه
و قبلته للقدس كانت بغاره * * * و فيه أتاه الوحي في حال صبراه
و فيه تجلّى الرّوح بالموقف الذي * * * به اللّه في وقت البداءة سوّاه
و تحت تخوم الأرض في السّبع أصله * * * و من بعد هذا اهتزّ بالسّفل أعلاه
و لما تجلّى اللّه قدّس ذكره * * * لطور تشظّى فهو إحدى شظاياه
و منها ثبير ثم ثور بمكّة * * * كذا قد أتى في نقل تاريخ مبداه
و في طيبة أيضا ثلاث فعدّها * * * فعيرا و ورقانا و أحدا رويناه
و يقبل فيه ساعة الطّهر من دعا * * * به و ينادى من دعانا أجبناه
و في أحد الأقوال في عقبة حرا * * * أتى ثمّ قابيل لهابيل غشّاه
و مما حوى سرّا حوته صخوره * * * من التّبر إكسيرا يقام سمعناه
سمعت بها تسبيحها غير مرّة * * * و أسمعته جمعا فقالوا سمعناه
به مركز النّور الإلهي مثبتا * * * فللّه ما أحلى مقاما بأعلاه
فيا ربّ بالغفران عجّل و كن لنا * * * رحيما و تب و امحو جنى ما ارتكبناه
وهب للمناوي ما تمنّاه سيّدي * * * فأنت الذي للعبد تستر خطاياه
و أول من آمن به من الرجال أبو بكر صاحب الخلافة الأوّلية، فهو أول من ذاق حلاوة الإيمان و ارتشف زلال الإسلام، و أول من آمن به من النّساء السيّدة خديجة الكريمة السّخية، و هي التي أنفقت عليه مالها و عرضت عليه نفسها بالتّزويج لما سمعت