مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٠ - إعلام جهال بحقيقة الحقائق بأسنة نصوص كلام سيد الخلائق
على تقدير وجوده شرع له فيهم فأخذت تربة من قبره في المدينة و مزجت بسرة الأرض التي هي الكعبة فخلق منهما تعظيما لهما به. فأول من أجاب في قوله تعالى: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [فصلت: الآية ١١] تربته و من السماء البيت المعمور لصعود أنوار تربته له ثم بقية البقاع و الرقاع.
و إنما دحيت الأرض تحت الكعبة فهي قوة الأرض لامتزاجها بتربة قبره صلى اللّه عليه و سلم فهو الأصل في التكوين و غيره تبع له، خلق لعلية وجوده فلو لا وجوده ما ظهر لغير اللّه وجود لتعلق علم اللّه و إرادته بذلك، كما خرجت به الأخبار، فأصل طينته مدنية مزجت بمكة فهو مكي مدني فنسبه أيضا مكي و رحمه مدني لمقام أخوال أبيه.
روى الحاكم في «صحيحه» عن عمر رفعه: إن آدم رأى اسم «محمد» مكتوبا على العرش، و إن اللّه تعالى قال لادم: لو لا محمد ما خلقتك.
و روى الحاكم عن ابن عباس: أوحى اللّه إلى عيسى «آمن بمحمد و أمر أمّتك أن يؤمنوا به فلو لا محمد ما خلقت آدم و لا الجنة و لا النار و لقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه فسكن». صححه الحاكم و أقره السبكي في «شفاء السقام» و البلقيني في «فتاويه» و حكمه الرفع.
و أخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه: «أتاني جبريل فقال: إن اللّه يقول: لو لاك ما خلقت الجنة و لو لاك ما خلقت النار».
و ذكر ابن سبع و العزفي بفتحتين عن علي كرّم اللّه وجهه: «إن اللّه قال لنبيه: من أجلك أسطح البطحاء و أموج الموج و أرفع السماء و أجعل الثواب و العقاب». قلت: و لم يكن لغيره نبيا أو ملكا فمذهب الأشاعرة أن أفعال اللّه لا تعلل بالأغراض و إنما يقال بعد فعل اللّه عند البحث في سر فعله خلقه لحكمة كذا، فإنه حكيم ففعله حكمة، فإن اللّه غني عن العالمين لا غرض له في فعله البتة و إنما فعل لحكمة تعود على المفعول لا إليه تعالى. فلا يحل أن يقال: و الباعث للَّه على فعل كذا لأجل كذا لو لا حكمة وجود محمد منك لما خلقتك، فامتنع خلق آدم لو لا أن اللّه علم أنه حكمة ترتيب المسبب على الأسباب فمحمد مسبب علم اللّه أنه ينشئه من سببه الذي هو آدم عند وجوده لا به، و الربط عادي فلو لا تعليق المسبب بالسبب ما خلق اللّه السبب فاللَّه غني عن السبب و المسبب فهو المسبب بالكسر قائم بنفسه غني عن العالمين لكن علم أن محمدا الذي هو المسبب علق وجود المكونات بوجوده فأفعال اللّه مصالح و حكم لا علل مستلزمة لفاعليته تعالى فإنه غني بنفسه فلا يكمل بغيره.
و إنما وردت النصوص بتعليل أفعاله تعالى بالحكم و المصالح وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذّاريات: الآية ٥٦] يعني خلقهم و فرض عليهم العبادة فمنهم