مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٤٤٧ - مولد البرزنجي نثرا
عطّر اللّهمّ قبره الكريم * * * بعرف شذيّ من صلاة و تسليم
(اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه)
و لما كمل له صلى اللّه عليه و سلم أربعون سنة على أوفق الأقوال لذوي العالمية، بعثه اللّه تعالى للعالمين بشيرا و نذيرا فعمّهم برحماه و بدىء إلى تمام ستّة أشهر بالرّؤيا الصادقة الجليّة، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق صبح أضاء سناه، و إنما ابتدئ صلى اللّه عليه و سلم بالرّؤيا تمرينا للقوى البشريّة، لئلا يفجأه الملك بصريح النّبوّة فلا تقوى قواه، و حبّب إليه الخلاء فكان يتعبّد بحراء الليالي العدديّة، إلى أن أتاه فيه صريح الحقّ و وافاه، و ذلك يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر الليلة القدريّة، و ثمّ أقوال لسبع أو أربع و عشرين منه أو ثمان خلت من شهر مولده صلى اللّه عليه و سلم الذي بدأ فيه بدر محيّاه، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطّه غطّة قويّة، ثم قال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطّه ثانية حتى بلغ منه الجهد و غطّاه، ثم قال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطّه ثالثة ليتوجّه إلى ما سيلقى إليه بجمعيه، و يقابله بجدّ و اجتهاد و يتلقاه، ثم فتر الوحي ثلاث سنين أو ثلاثين شهرا ليشتاق إلى انتشاق هاتيك النفحات الشّذيّة، ثم أنزلت عليه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] فجاءه جبريل بها و ناداه، فكان لنبوّته صلى اللّه عليه و سلم لتقدّم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] شاهد على أن لها السابقية، و التقدّم على رسالته صلى اللّه عليه و سلم بالبشارة و النّذارة لمن دعاه.
عطّر اللّهمّ قبره الكريم * * * بعرف شذيّ من صلاة و تسليم
(اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه)
و أوّل من آمن به صلى اللّه عليه و سلم من الرّجال أبو بكر صاحب الغار و الصّدّيقيّة، و من الصّبيان عليّ و من النّساء خديجة التي ثبّت اللّه تعالى بها قلبه و وقاه. و من الموالي زيد بن حارثة و من الأرقاء بلال الذي عذّبه في اللّه أميّة، و أولاه مولاه أبو بكر من العتق ما أولاه. ثم أسلم عثمان و سعد و سعيد و طلحة و ابن عوف و ابن العمّة صفيّة، و غيرهم ممّن أنهله الصديق رحيق التّصديق و سقاه، و ما زالت عبادته صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه مخفيّة، حتى أنزل عليه صلى اللّه عليه و سلم قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية ٩٤] فجهر صلى اللّه عليه و سلم بدعاء الخلق إلى اللّه.
و لم يبعد منه قومه حتى عاب موالاة آلهتهم و أمر برفض ما سوى الوحدانية، فتجرّءوا على مبارزته بالعداوة و أذاه، و اشتد على المسلمين البلاء فيها فهاجروا في سنة خمس إلى النّاحية النّجاشية، و حدب عليه عمّه أبو طالب فهابه كلّ من القوم و تحاماه و فرض عليه صلى اللّه عليه و سلم قيام بعض الساعات الليليّة، ثم نسخ بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ