مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٥٧ - اليمن و الإسعاد بمولد خير العباد
عطّر اللهم مجالسنا بطيب ذكره و ثناه و منّ علينا
بسلوك سبيله و هداه، و صلّ و سلم و بارك عليه و على آله
صلاة و سلاما نتخلص بهما من محن الوقت و أهواله
و لمّا قدّر اللّه تعالى تزوّج سيدنا عبد اللّه بسيدتنا آمنة العظيمة الجاه، و بنى بها و واقعها، انتقل ذلك النور المكرم إليها فحملت به ٧ و لم تحمل- كما ذكره غير واحد- بسواه من الأنام. و كان بناؤه بها- على ما ذكروه- ليلة الجمعة أو ليلة الإثنين أول يوم من رجب الفرد الحرام في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى الرفيعة المقام. و ظهرت لحمله صلى اللّه عليه و سلم عجائب و آيات و خوارق عادات توطئة لنبوّته و رسالته و إعلاما بعظيم منزلته و رتبته. و نودي في الملكوت و الملك الظاهر بالبشر: ألا إنه قد حملت آمنة بسيد البشر و أصبحت أصنام الدنيا منكوسة و أسرّة ملوك الأرض مقلوبة معكوسة، و كل ملك من ملوك الدنيا أصبح أخرس قد منع من النطق يومه ذلك و حيل بينه و بين ما يريده منه هنالك، و لم تبق دابة لقريش إلا نطقت تلك الليلة، و قالت: حمل برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و رب الكعبة. و هو إمام الدنيا- و في رواية: أمان الدنيا- و سراج أهلها.
و كذا لم تبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت و لا بقعة إلا دخلها النور و ابتهجت و فرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، و كذلك أهل البحار صار يبشر بعضهم بعضا بظهور خير أهل الأرض و السماوات، و اخضرت الأرض طولها و العرض، و حملت الأشجار بأنواع الفواكه و الثمار، و كانت قريش في جدب شديد و ضيق عظيم مديد فأتاهم الخير الكثير و عمهم الرفد الغزير، و سميت تلك السنة سنة الفتح و الابتهاج لما أنّه حمل فيها بصاحب اللواء و التاج. و أتيت آمنة و هي بين اليقظة و المنام و قيل لها:
إنك قد حملت بسيد الأنام، قالت: و ما شعرت بأني حملت به و لا وجدت ثقلا و لا وحما لحمله إلا أني أنكرت رفع حيضتي إذ لم يكن رفعها من عادتي.
و رأت في منامها مرات أنه خرج منها نور ثاقب أضاءت له المشارق و المغارب.
و لما تمّ لها من حملها به شهران- على الصحيح من الأقوال المروية- توفي والده سيدنا عبد اللّه و هو على حالة زكية مرضية و كان إذ ذاك ابن ثمان عشرة سنة- على الصحيح و القول المعتبر عند السيوطي و العلائي و الحافظ ابن حجر- و دفن بالمدينة المنورة العظيمة المقدار بدار من دور أخوال أبيه عبد المطلب و هم بنو عدي بن النجار، و ضريحه إلى الآن في زقاق الطوال بها مزاره، فيا سعد من قصده و زاره.
و لما توفي قالت الملائكة: إلهنا و سيدنا و مولانا و عالم سرنا و نجوانا، بقي نبيك يتيما لا أب له فقيرا لا مال له، فقال اللّه- مما ليس هذا لفظه الوارد بل مؤداه-: أنا