مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٧٣ - اليمن و الإسعاد بمولد خير العباد
الجلاس، و يحب الطيب و كل ما له رائحة حسنة. و يكره الروائح الخبيثة المنتنة و كان إذا لقي أحدا من أصحابه بدأه بالسلام. و المصافحة و الكلام، و ربما أخذ بيده فشابكه ثم شد قبضته عليها، يشير بذلك لتأكد المحبة عندها ولديها. و كان يمشي مع الأرملة و هي المرأة التي لا زوج لها، لقضاء الحوائج لديها و مع ذوي العبودية أي الرقيق كذلك لقضاء حاجته هنالك. و كان له عبيد و خدم و إماء، لا يترفع عليهم في مأكل و لا ملبس و لا في شيء من الأشياء، و لا يحقر مسكينا و لا فقيرا، و لا يواجه أحدا بما يكره و لو حقيرا.
و لا يهاب الملوك و الأمراء. و يدعو هذا و هذا إلى اللّه دعاء مستويا لا حياء فيه و لا مراء، و ما ضرب بيده شيئا قط و لا ضرب امرأة و لا خادما إلا أن يجاهد في سبيل اللّه و ما نيل منه شيء فانتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم اللّه، فينتقم للَّه و إذا سئل أن يدعو على أحد مسلم أو كافر خاص أو عام، عدل عن الدعاء عليه للدعاء له بالتمام.
و كان يمشي خلف أصحابه في الغالب و يترك ظهره للملائكة الذين هم حزب اللّه الغالب و ما سئل شيئا قط فقال لا. و لا قابل أحدا بسوء أو فحش أو قلى و ما خيره اللّه أو غيره بين أمرين إلا اختار أيسرهما، و أرفقهما لأمّته و أسهلهما. ما لم يكن إثما أو يؤدي إلى قطيعة الرحم ظنا أو جزما، و بالجملة فقد تمم اللّه به مكارم الأخلاق، و أوصلها فيه إلى غاية يستحيل وصولها لغيره بلا شقاق و جمع له من الخلال الحميدة و الشيم المرضية. ما لم يجمع لأحد من سائر البرية. و آتاه من السير الفاضلة، و السياسات الحسنة الكاملة، و العلم الأول و الآخر، و الباطن و الظاهر، ما لم يؤت أحدا من العالمين، و الخلائق أجمعين. و ما من كمال في الوجود إلا و هو من كماله. كما أن كل جمال فيه هو من فيض جماله، و لا يشك فاضل و لا عاقل في أن صفاته الشريفة لا تقاس بصفات غيره من خلق أو إنسان. كما أن أخلاقه الكريمة لا تقاس بأخلاق غيره من متخلقي كل زمان فحياؤه مثلا لا يقاس بحياء غيره و لو من أهل الحياء التام. بل كل حياء في مؤمن و ولي و نبي هو رشح منه صلى اللّه عليه و سلم و رشف من بحره الطام. و هو عليه الصلاة و السلام الذي أحاط بالحياء كله على التمام. و هكذا يقال في كل وصف من أوصافه و نعت من نعوت كماله و اتصافه، و لذا مدحه المولى العظيم بقوله: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم: الآية ٤].
و يقول ناعته نعتا مجملا عند عجزه عن التفصيل: لم أر و لا يرى غيري قبله و لا بعده مثله من كل كامل أو جميل، و لم يسمع أيضا من أكابر الصحابة الكرام، كالشيخين رضي اللّه عنهما وصفه صلى اللّه عليه و سلم بالوصف التام هيبة له و إجلالا. و لعلمهم بأنه لا قدرة لأحد على الإتيان بما يليق بجنابه الشريف رفعة و كمالا. و لم يتعاط فحول الشعراء من المتقدمين البلغاء. كأبي تمام و البحتري و ابن الرومي مدحه صلى اللّه عليه و سلم. و كان من أصعب ما يحاولونه و أعسر شيء يتناولونه لأن المعاني دون مرتبته، و الأوصاف دون وصفه و صفته