مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٦٠٦
(طيّب اللّهمّ مجالسنا بالصلاة و السّلام على سيّدنا محمد، و ثبّت اللّهمّ قلوبنا على محبة سيّدنا محمد، و اجمع اللّهمّ شمل أتباع سيّدنا محمد و أظهر اللّهمّ دينه على البرايا، و باعد بيننا و بين جميع البلايا و على آله الطاهرين و صحابته الأكرمين، ملء ما علمت، و عدد ما علمت، وزنة ما علمت).
الروضة السادسة في زواج عبد اللّه بآمنة
و لقد كان نور النبيّ ٦ و شرف و مجد و عظم، يلمع في جبهة والده سيدنا عبد اللّه، الرفيع الشأن العظيم الجاه. حتى إن جماعة من نساء قريش، رغبن في الاتّصال به رضي اللّه عنه، ليتمتعن بذلك النور الزاهر العظيم، و السرّ الباهر العميم، فرفض بإباء و شمم كل رغباتهنّ، و لقّنهن درسا في وجوب التمسّك بالعفاف و الطّهر لم ينسينه طوال أعمارهن.
و معلوم أن للزواج حكما كثيرة و أسرارا شهيرة، منها حفظ النوع الإنساني من الخراب و الدمار، و الفناء و الاندثار، من أجل ذلك أوجبت الشرائع أن يكون من عائلتين لتصيرا كجسم معدودة أعضاؤه، يقوم كل عضو بما فيه مصلحة الكل.
و لما كان سيدنا عبد المطلب ابن سيدنا هاشم، على علم بهذه الحكم و تلك الأسرار، بادر متوكّلا على مولاه، و مفوّضا أمره إليه في سرّه و نجواه، فخطب من سيدنا وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، و هو يومئذ سيد بني زهرة نسبا و شرفا بلا ارتياب، كريمته الدرة المكنونة، السعيدة الميمونة، المتغذية بلبان العفاف، المصونة صون الجواهر في الأصداف، سيّدتنا آمنة، و هي يومئذ أفضل امرأة في الدنيا نسبا من جهة الأب، و موضعا من جهة الأم لولده سيد شباب الدنيا، و البالغ في المجد الثريا، المؤهل لأبوة سيد المرسلين، من قبل رب العالمين، سيّدنا عبد اللّه، (عليه رضوان اللّه )، فتلقّاه بالقبول و الإقبال، و أنشد منه لسان الحال:
سعد الزمان و ساعد الإقبال * * * و دنا المنى و أجابت الآمال
و انبرم بينهما النكاح على صداق مبارك، طيّبه اللّه لها، و أحلّه عليها و حضر سيدنا عبد اللّه فقبل النكاح و ارتضاه، و ألزمه نفسه و أمضاه و أكّد بالشهود، اتّباعا لتعاليم بارئ الوجود، و حينئذ حصل الاتّصال الذي قدّره المولى، و الامتزاج الذي شرّف اللّه به سيّدة نساء الدنيا، فاستقرّ النور الإلهيّ في رحمها الميمون ليقيم تسعة أشهر في عالمه المكنون، قبل أن يشرق على هذا الوجود، فينير الجبال و السهول و الأغوار و النجود.
قال القسطلاني ; في المواهب اللدنيّة: