مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٣ - إعلام جهال بحقيقة الحقائق بأسنة نصوص كلام سيد الخلائق
وهب. «أول ما خلق اللّه نوري» الحديث الحسن. «أول ما خلق اللّه روحي» الحديث المشهور. فهذه الأحاديث الأربعة مشهورة على ألسنة الأمّة المختارة.
فكيفية التطبيق بين الأحاديث أنه خلق روحه ثم منه الأرواح لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «أنا أبو الأرواح و آدم أبو البشر». ثم خلق نوره ثم من نوره الأنوار: قال صلى اللّه عليه و سلم: «أنا من نور اللّه و المؤمنون من فيض نوري». ثم خلق عقله ثم خلق من عقله العقول الكلية الملكية القدسية العرشية، ثم خلق جوهرة عنصره قبل العناصر، ثم خلق منه الجواهر الكلية العرشية و السماوية و الأرضية. فالمطلوب بهذه الأصول الحقيقة المحمدية و الحضرة الأحمدية باعتبار النسب و التعيين و المراتب إذ هو فاتحة الوجود مرتبة و إيجادا في الجواهر السفلية و العلوية الملكية و الآدمية الكلية الجامعة لجميع الحقائق الإلهية الأسمائية الكلية فهو مقدم الوجود و فاتحه و خاتمه، فجوهر وجوده هو الجوهر الفرد الكلي الجامع المحمدي في جميع الأعيان و الجواهر. قاله ابن وهب عن «الأخبار القدسية».
«أول ما خلق اللّه القلم»، قلت: و هو القلم الأعلى باعتبار أخذه الفيض الإلهي من حضرة الغيب، و فيضان الأشياء منه كفيضان الخط من المداد بواسطة القلم، فسمي قلما باعتبار إفاضته و إشارته إلى لوح العالم. و يسمى العقل الكلي أيضا، باعتبار تميز ذاته و معرفة نفسه و ربه. و يسمى الروح الأعظم، باعتبار أنه منشأ المخلوقات.
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: الآية ٨٥] أي من عالم الأمر الذي خلق بلا سببية شيء من مادة، و عالم الخلق ما أوجده اللّه من مادة كذا كالحيوانات من الماء وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ [الأنبياء: الآية ٣٠] فالروح الإنساني هو أول شيء تعلقت به القدرة، جوهرة نورانية و لطيفة ربانية من عالم الأمر و هو الملكوت الذي خلق من لا شيء.
«فالروح الأعظم هو أول المخلوقات» و هو روح سيدنا «محمد» صلى اللّه عليه و سلم.
قال صلى اللّه عليه و سلم: «أول ما خلق اللّه روحي». و لا يمكن تعدده لأن الشيئين المتغايرين لا يكون كل واحد منهما أولا في التكوين، و الإيجاد على الإطلاق إذ الأمر لا يخلو إما أحدثا مضافين أو أوجدا متعاقبين، فإن أوجدا متصاحبين معا فلا يختص أحدهما بالأولية فلا يكون واحد منهما على الانفراد. و إن أحدثا متعاقبين يكن المبتدأ أولا و الآخر بعده فيعمل كلام الشرع إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النّجم: الآية ٤].
إن المخلوق الأول إنما هو لمسمى واحد في جميع ما تعددت فيه الأوليات، و إنما له لعظم شأنه أسماء متعددة بالاعتبارات من حيث الصفات. و قد كثرت الأسماء «و المسمى المعظم» واحد و هو الأصل و ما سواه تبع له، فلا ريب في أن أصل المفعول من حيث هو مخلوق إنما هو واحد و هو نبينا صلى اللّه عليه و سلم، فقد قال اللّه تعالى في الخبر القدسي: