مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٥٩ - معجزاته صلى اللّه عليه و سلم
و جمع العرب بحسن سياسته بعد أن كانوا متفرّقين، و فتح مكّة حصن المشركين ذوي النّفوس القويّة، فألّف القلوب المتنافرة، و أزال أضغان المتعادين، و عفا عن أعدائه الذين فعلوا الأفاعيل العدوانية، متّبعا بذلك سياسته القويمة، سياسة الرّفق و اللّين، جعل معتوقه زيدا قائدا، و وجّهه لمقاومة الدولة الرّومانية، و أمّر الفتى أسامة لخبرته على جيش من الأنصار و المهاجرين، ليدرب الشّباب على أعمال القيادة العسكريّة، و لكي ينبّه الأذهان لشأن الشباب في جميع الميادين.
من للزّمان بمثل فضل محمّد * * * و عدالة كعدالة الخطّاب
رفع الرّسول عماد أمّة يعرب * * * و أعزّها بالال و الأصحاب
مشت الفتوح و صفّقت راياتها * * * في الشّرق فوق أباطح و هضاب
و تغلغلت في الغرب طائرة على * * * أكتاف صقر جارح و عقاب
معجزاته صلى اللّه عليه و سلم
اعلم أن سيدنا محمدا صلى اللّه عليه و سلم هو أكثر الأنبياء معجزات و دلائل، و أظهرهم فضائل و فواضل، و أبهرهم محاسن و شمائل، و أشهرهم في الكتب السماوية علامات و بشائر، و أصدقهم شواهد وردت عن الأوائل و الأواخر، و أقواهم براهين، و أوضحهم آيات بيّنات، و أرفعهم مقامات، و أشرفهم حالات، و أفضلهم في جميع الصفات من كل الجهات، و إنما كان صلى اللّه عليه و سلم كذلك لأنه أكثرهم أمة، و أشملهم دعوة، و أكملهم شريعة، و خاتمهم نبوّة و آخرهم رسالة، و لهذا كان العالم أجمع محتاجا إلى رسالته و ثبوتها أكثر من احتياجه إلى رسالات سائر النبيّين، لأن كل رسول كان يأتي بعده رسول يقرر ما أتى به الأول، أو يتممه، أو يأتي بشرع جديد، حتى بعث اللّه سيدنا محمدا صلى اللّه عليه و سلم و ختم به نبوة الأنبياء و رسالة الرسل عليه و :، فنسخ شرعه تلك الشرائع، و أغرق بحره هاتيك الجداول، و أخفت شمسه تلك الكواكب، فكان هو صلى اللّه عليه و سلم نبيّ الأنبياء و المرسلين، و رسول الخلائق أجمعين. و شرعه البحر المحيط الذي لم يخرج عنه شيء من الشرائع السابقة إلا ما نسخه بسواه. و قد زاد عنها بأضعاف لا تحصى من أحكام و أنوار و أسرار، لا يعلمها إلّا اللّه و من علّمه اللّه، و لذلك كانت معجزاته و دلائل نبوته صلى اللّه عليه و سلم أكثر و أعظم، و أظهر و أدوم من سائر معجزات النبيين و دلائل نبواتهم، بل لو اجتمع ما ظهر على أيديهم من ذلك مضاعفا أضعافا كثيرة لما عادل معجزة واحدة له صلى اللّه عليه و سلم، و هي القرآن، كما أن جميع فضائلهم صلوات اللّه عليه و عليهم، لو اجتمعت لما عادلت فضيلة واحدة له صلى اللّه عليه و سلم و هي المعراج، و ما حصل له فيه من الأنوار و الأسرار و الحب و القرب في تلك الليلة المباركة، فما بالك و معجزاته و فضائله صلى اللّه عليه و سلم لا تحصى عددا، و لا تنقطع في حياته و بعد وفاته مددا، و لم يرد لأحد منهم صلوات اللّه عليهم معجزة إلّا ورد له صلى اللّه عليه و سلم ما هو أعظم