مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٤٨٦ - هذا محلّ دعاء
و النّون، عن سرّ الغيب المكنون، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: الآية ١٥٦]، صلّوا عليه.
الحزب السّادس
ثمّ لمّا صدرت بالظّهور الإرادة، و لبس الكون حلّة السعادة، و التقطت صدفة آمنة الدّهر، جوهرة النّهي و الأمر، تكلّل وجه الزّمان بالفرح، و اتّسع صدر الأوان و انشرح، بقدوم يوم الدّين، و قامت قيامة المشركين، فذبح يحيى العلوم الذوقيّة كبش الجهل، و نسخت براهين المشاهد الحقّيّة شريعة العقل، و وقع التسليم، في جميع الأقاليم.
و انفتحت أبواب جنّات الشهود، و سرت عين الحياة في الوجود، و نطقت دوابّ نفوس ذاك العالم، و قالت: أثمرت و اللّه شجرة آدم، و استأنست وحوش إيحاش برّ الإنسان، و اطمأنّت حيتان بحور القلب و الجنان، و بشّر بعضها بعضا بالحال، و بتحويل المشهد للكمال. و أصبح كلّ ملك من ملوك النّفس الأمّارة أخرس، و سريره منكّس، و نادى ملك الإلهام في عالم الملك و الملكوت إنّ الوجود تقدّس، و إنّ الصّبح تنفّس، و إنّ السّلك للسالك، و الملك للمالك؛ فقد أشرقت شمس الكمال، فلا أفول و لا زوال، وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: الآية ٢٨١] فقد آن ظهور رسول اللّه، من له حاجة فليسأل اللّه.
هذا محلّ دعاء
و أرسل اللّه رياح الطّلق بشرى بين يدي رحمته، و لمعت بوارق شريعة محمد و طلعته، و سمعت آمنة القلب ما أزعجها، فجاء طائر الأمن فأبهجها، ثم التفتت إلى جهة اليمين، و إذا هي بقدح من حقّ اليقين، ملان من لبن المعارف، فشربته و زالت عنها الرّواجف. و جاءت مريم الحقيقيّة، و آسية النّفس المرضيّة، و الحور العين الإلهامات الروحيّة، و مدّ ديباج العقل الأبيض بين الأرض و السماء، فتميّزت به جميع الأشياء، و وقفت في الهواء موارد المعارف، بأباريق العوارف، من فضّة نقاء المواهب اللّدنّية، مملوءة من عطر معاني الحقائق الذوقيّة، لتطييب الوجود، و استقبال ذلك المولود.
و جاءت رسل البشائر على صفة الطّيور، مناقيرها زمرّد السرور، و أجنحتها ياقوت الظهور. و كشف اللّه عن بصر آمنة الوهم، فرأت ما يحيّر الفهم، ثم رأت من اسم العلّام، ثلاثة من الأعلام، علما في المشرق أزهر، و علما في المغرب أنور، و علما على البيت العتيق المطهّر، إشارة بأنّ نبوّته صلى اللّه عليه و سلم شرقيّة، و ولايته غربيّة، و رسالته عامّة لجميع البريّة، و الثلاثة مجموعات في ذاك المظهر، و اللّه أعزّ و أكبر. فعند ذلك سطعت الأنوار، و أشرقت الأقطار، و رفعت الأستار، و ولد النّبيّ المختار صلى اللّه عليه و سلم صاحب الجلال و الوقار.
تمّ هذا المولد الشريف و الحمد للَّه تعالى