مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٥٣ - مولد المناوي
الشرقيّة و الغربيّة. و قالت الوحوش: ربّنا مرنا أن نحمله إلى أوكارنا. و قالت الطّيور: ربنا مرنا أن نحمله إلى أعشاشنا و نلتزم بكفالته حق الالتزام. فخرج النداء بلسان حال القدرة الإلهيّة: معاشر الخلائق قد جعله اللّه رضيعا لحليمة فكان لها بذلك الحظّ الأوفر و الاغتنام، و كانت حليمة في ضيق من العيش فلمّا أراد اللّه لها السعادة الأبديّة، أقحط بلادها فكانت تكثر من الحمد في النّور و الظلام، فرأت في منامها رجلا آخذ بيدها إلى نهر أشدّ بياضا من اللّبن و أحلى من الأشربة العليّة، و قال: اشربي يا حليمة، فشربت و قالت له: من أنت، قال: أنا الحمد الذي كنت تحمدين اللّه به في الشّدائد و الخطوب العظام، يا حليمة لك البشرى برضاعة سيّد المرسلين و خير البريّة، فاكتمي أمرك و لا تظهري شأنك. فانتبهت مسرورة من رؤيا المنام و كانت حاملا فوضعت حملها و هي تأكل من نبات الأرض و أعشابها الطّريّة، و كانت مع ذلك في غاية الصّبر و نهاية الشّكر و الرّضا بالقضاء و القدر و الاستسلام، فخرجت ذات يوم مع نسوة لبني سعد في طلب النبات من البقاع الجبليّة، فسمعن مناديا يقول: ولد بمكّة مولود فهنيئا لثدي أرضعه و طوبى لعبد كفله و يا نعم المولود و يا له من غلام. فلما رجعن أخبرن أزواجهنّ بما سمعنه في الأماكن البرية، فعزموا على الرّحيل إلى مكّة البلد الحرام. فلمّا أصبحوا تجهّزوا للمسير فخرجت حليمة معهم على أتان ضعيفة غير قويّة، فلما و صلوا إلى مكة عرض عليهم نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم فأعرضوا عنه ليتمه و كانت حليمة في عقب الأقوام، فلما وصلت رأت عبد المطلب واقفا بباب دار أمّه آمنة الوهبيّة، فسألته عن مولود فقال لها: عندي مولود لكنّه يتيم و مات أبوه و هو في اجتنان الأرحام، ثم عرض على المراضع فأعرضن عنه ليتمه و فقر حال أمه فقالت: رضيت به، فقال: ما الاسم، قالت: حليمة السّعدية، فقال لها:
حلم و سعد ادخلي عليه، فدخلت فرأته قمرا منيرا و نظرت إلى وجهه فوجدته مشتملا على بشر و ابتسام. فحملته بين يديها و أعطته ثديها الأيمن فشرب ثم حوّلته إلى الأيسر فأبى، و ذلك من شرائعه العدلية. فقد أعلمه اللّه أن له شريكا و هو أخوه من الرّضاعة فترك له ثديها الأيسر ليتغذّى منه على الدّوام. و أقامت حليمة بالمصطفى صلى اللّه عليه و سلم عند أمه آمنة المرضيّة، فعظّمها عبد المطلب غاية التّعظيم و أكرمها غاية الإكرام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
و لما انصرفت المراضع بالأطفال خرجت حليمة معهنّ بعد أن ودّعت أمه آمنة المحفوظة بالعناية الرّبانية، فركبت أتانها و وضعته بين يديها و هي في فرح و سرور و أمان و سلام، فنظرت إلى الأتان و قد سجدت نحو الكعبة بالقواعد الإبراهيمية، ثم رفعت