مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٥٨ - سياسته صلى اللّه عليه و سلم
جوده صلى اللّه عليه و سلم
ما عرف عنه أنه ردّ محتاجا بدون عطيّة، و ربما جاد ببردته و هو لها أحوج من الفقراء، و كان يعطي عطاء من لا يخشى الإقلال من ربّ البريّة، و إنّ جوده و سخاءه للَّه لا للرّياء.
تواضعه صلى اللّه عليه و سلم و حياته المعيشيّة
و كان لا يأخذ ممّا آتاه اللّه إلّا أقواته الضرورية، و يأكل مع الخادم، و يحمل حوائجه بدون استحياء. ما مال إلى فخر، و لا سعى إلى رئاسة دنيويّة، و كان يكره التّعاظم و التّزلّف و الإطراء. و كان يخدم نفسه، و يقضي حوائج المساكين و الضّعفاء، مات و درعه مرهونة، و لم يخلّف ضياعا و لا قصورا عليّة، و ربما مكث الأيام جائعا و طعامه التّمر و الماء. فكان هذا القائد العظيم يشدّ الحجر على بطنه لتشبع الرّعيّة، ليعطي درسا عمليّا للأمراء و الرّؤساء، فراشه عباءة، و مسكنه حجرات من اللّبن مبنيّة، و لبسه كما يلبس عامّة المسلمين الفقراء، و كان يكره أن يتميّز على أصحابه، و ينصرف لمحدّثه بالكلّيّة. و دعا إلى التّواضع، و قضى على تكبّر الملوك و الزّعماء. و يرادف على دابّته من يراه ماشيا بدون مطيّة، و يجلس حيث انتهى به المجلس، ليعلّمنا ترك الكبرياء.
حروبه صلى اللّه عليه و سلم و شجاعته
و كان صلى اللّه عليه و سلم يضمّر الخيل، و يوصي بتعلّم الفنون الحربيّة، و يحضّ على السّباحة و الرّماية و ركوب الخيل جماعته المسلمين، لم يقتصر على الوعظ، و إنما تهيّأ لحماية الدّعوة المحمديّة، فألّف جيشا مطيعا منظّما يشتاق لجنّة المجاهدين، قاوم قريشا في بدر بكتيبة لا تضاهي الجيوش القرشيّة، فخذل المشركون وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: الآية ٨]، و لم تكن حروب هذا النبيّ لغاية استعمارية، و إنما كانت [لإنقاذ البشرية من ظلمة كثرة الشرك و الكفر الخيالية و هدايتهم إلى حقيقة نور وحدة الذات الإلهية و توحيد الأفعال و الأسماء و الصفات الربانية بما جاء لهم به من إسلام و إيمان و إحسان] [١] لتحرير الضعفاء، و نشر العدل، و محق الظّالمين، و كان حسن الاستخبار، حسن التكتّم للأسرار الحربيّة، و كان يسبق الناس إلى العدوّ، ليعلّمنا البطولة في الميادين.
سياسته صلى اللّه عليه و سلم
و هو البصير بالشؤون السياسيّة و الحقوق الدوليّة، فيعقد المعاهدات، و يسيّر أمور الدولة، و يكاتب الحاكمين. آخى بين الأنصار و المهاجرين، فما أجملها من أخوّة دينيّة!
[١] ما بين معقوفتين [] هو من زيادات المحقق.