مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٤١٩ - المقدمة في توضيح معنى البدعة و أقسامها
بالقرآن كالمسر بالصدقة»، و قد جمع النووي بينهما بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو تأذى به مصلون أو نيام، و الجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكثر و لأن فائدته تتعدى إلى السامعين، و لأنه يوقظ القلب القارئ، و يجمع همه إلى الفكر و يصرف سمعه إليه، و يطرد النوم و يزيد في النشاط، و قال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة و الإسرار ببعضها لأن المسر قد يملّ فيأنس بالجهر و الجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار.
انتهى كلام النووي.
قال السيوطي: و كذلك نقول في الذكر على هذا التفصيل و به يحصل الجمع بين الأحاديث، انتهى المقصود من رسالة تنوير الفكر في الجهر بالذكر. و منه يعلم أن ما يعتاد في بعض بلدان حضر موت من الجهر بالاستغفار و التشهد عقب الصلاة لا كراهة فيه، بل ذكروا أنه يسن للإمام الجهر ببعض الأذكار لتعليم الحاضرين، و فيه من التعاون على الخير و جمع الهمم على الذكر و صرف السمع إليه و زيادة النشاط ما لا يخفى. فهو إذا مطلوب حيث لم يتأذ به نحو مصل و لم يخف الرياء كما يعلم من كلام الإمام النووي رضي اللّه عنه.
و بالجملة، فكل ما مضى عليه عمل من قبلنا من الأئمة الأبرار و العلماء الأحبار من الأمور الخيرية، كالاجتماع لقراءة المولد النبوي و قراءة القرآن للأموات و الجهر ببعض الأذكار خلف الصلوات و ما أشبه ذلك من أمور الخير لا ينبغي لأمثالنا أن ينكر على شيء مما عملوه بنيّات صالحة و مقاصد حسنة. و لهم في ذلك الأدلة الصحيحة و النصوص الصريحة لأنهم أورع و أتقى و أخوف و أخشى و أعلم و أعرف منا بدون شك و لا ارتياب، فهم أحق بأن يقتدي بهم المقتدون و يقفو أثرهم المهتدون أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: الآية ٩٠].
فعليكم، أيها الإخوان، بالتمسك بما مضى عليه أسلافكم من أعمال البر و لا يصدنكم الشيطان عنها إنه لكم عدو مبين.
فكل خير في اتباع من سلف * * * و كل شر في ابتداع من خلف
وفّقنا اللّه و إياكم للثبات على الحق و الهدى، و جنّبنا جميعا طريق الردى. اللهمّ أرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه و لا تجعله مشتبها علينا فنتبع الهوى و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم و الحمد للَّه رب العالمين.
و حرر ببلد تريم الغناء في ٤ شهر شوال سنة ١٣٨٢ ه، اثنتين و ثمانين و ثلاثمائة و ألف هجرية.
و كتبه الفقير إلى اللّه تعالى محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا اللّه عنه و عن والديه و المسلمين.