مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٤٩ - و برز الحامد المحمود
من القلوب في المحلّ الجليل، و عرف من بين أقرانه بالعفّة و الصيانة، و تميزه عند أهل زمانه بالصدق و الأمانة، و لما أخذت مطالع بعثته في أفق سمّوها، و آن لشمس نبوّته أن تطلع من علوّها، حبّب إليه الخلوة للأنس بربّه، و كان يخلو في حراء و يتنعم بقربه، و كانت تظهر له الأضواء و الأنوار، و تسلّم عليه بالرسالة الأحجار و الأشجار.
(اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه و على آله و صحبه)
ثم كان وحيه مناما، و تعليمه إلهاما، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، و لا ينوي أمرا إلا ظفر بالفوز و النجح. فلما بلغ الأربعين، جاءه جبريل الأمين، من ربه ذي الجلال بمنشور النبوّة و الرسالة، فأقرأه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق:
الآيات: ١- ٥]، فمكث صلى اللّه عليه و سلم بمكة ثلاث عشرة سنة، يدعوهم إلى سبيل ربه بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النّحل: الآية ١٢٥]، فامن به من سبقت له السعادة في دار البقاء، و كذّب به من كتب عليه في الأزل الشقاء.
و لعشر سنين من مبعثه الكريم، خصّه اللّه بالإسرار العظيم، فسار و جبريل مصاحب له إلى أعلى السماوات العلى، و جاوز سدرة المنتهى، و شرّف بالمناجاة في المقام الأسنى، و نال من القرب ما ترجم عنه: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) [النّجم: الآية ٩].
ثم هاجر إلى دار هجرته، و مأوى أنصاره و أسرته، فسلّ سيف الحق من غمده، و جاهد في سبيل اللّه غاية جهده، حتى فتح اللّه له أقفال البلاد، و مكّنه من نواصي العباد، و أظهر دينه على الدين كله، ثم توفاه عند حضور أجله، إلى ما أعدّ له في جنات النعيم، من الكرامة و الفوز العظيم. فسبحان من حباه بأنواع الإكرام، و أرسله رحمة لجميع الأنام، و جعله سيّد ولد آدم و معولهم، و خاتم النبيين و أولهم، و نسخ بشرعه الشرائع، و ملأ بذكره المسامع، و شرّف برسالته المنائر و المنابر، و قرن ذكره بذكره في لسان كل ذاكر، و ذلل كل صعب لطلابه، و أمده بملائكته الكرام تجاهد في ركابه.
و أول من آمن به من الرجال أبو بكر صاحب الغار، و من الصبيان عليّ، و من النساء خديجة التي ثبت اللّه بها قلبه و وقاه، و من الموالي زيد بن حارثة، و من الأرقّاء بلال الذي أولاه مولاه أبو بكر من العتق ما أولاه، ثم أسلم عثمان، و سعد، و سعيد، و طلحة، و ابن عوف، و ابن عمته صفية، و ما زالت عبادته صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه مخفية، حتى أنزلت عليه فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية ٩٤] فجهر بدعاء الخلق إلى اللّه، و لم يبعد منه قومه حتى عاب آلهتهم، و أمر برفض ما سوى الوحدانية، فتجرءوا على مبارزته بالعداوة