مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٥٦٤ - قصيدة نهج البردة كاملة
لما رآه بحيرا قال: نعرفه * * * بما حفظنا من الأسماء و السّيم
سائل حراء، و روح القدس: هل علما * * * مصون سرّ عن الإدراك منكتم؟
كم جيئة و ذهاب شرّفت بهما * * * بطحاء مكة في الإصباح و الغسم
و وحشة لابن عبد اللّه بينهما * * * أشهى من الأنس بالأحباب و الحشم
يسامر الوحي فيها قبل مهبطه * * * و من يبشّر بسيمى الخير يتّسم
لما دعا الصّحب يستسقون من ظمأ * * * فاضت يداه من التسنيم بالسّنم
و ظلّلته، فصارت تستظلّ به * * * غمامة جذبتها خيرة الديم
محبة لرسول اللّه أشربها * * * قعائد الدّير، و الرّهبان في القمم
إنّ الشمائل إن رقّت يكاد بها * * * يغرى الجماد، و يغرى كلّ ذي نسم
و نودي: اقرأ تعالى اللّه قائلها * * * لم تتصل قبل من قيلت له بفم
هناك أذّن للرحمن، فامتلأت * * * أسماع مكّة من قدسيّة النّغم
فلا تسل عن قريش كيف حيرتها؟ * * * و كيف نفرتها في السهل و العلم؟
تساءلوا عن عظيم قد ألمّ بهم * * * رمى المشايخ و الولدان باللّمم
يا جاهلين على الهادي و دعوته * * * هل تجهلون مكان الصادق العلم؟
لقّبتموه أمين القوم في صغر * * * و ما الأمين على قول بمتّهم
فاق البدور، و فاق الأنبياء. فكم * * * بالخلق و الخلق من حسن و من عظم
جاء النبيون بالايات، فانصرمت * * * و جئتنا بحكيم غير منصرم
آياته كلّما طال المدى جدد * * * يزينهنّ جلال العتق و القدم
يكاد في لفظة منه مشرّفة * * * يوصيك بالحق، و التقوى، و بالرحم
يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة * * * حديثك الشّهد عند الذائق الفهم
حلّيت من عطل جيد البيان به * * * في كلّ منتثر في حسن منتظم
بكلّ قول كريم أنت قائله * * * تحيي القلوب، و تحيي ميّت الهمم
سرت بشائر بالهادي و مولده * * * في الشرق و الغرب مسرى النور في الظلم
تخطّفت مهج الطاغين من عرب * * * و طيرت أنفس الباغين من عجم
ريعت لها شرف الإيوان، فانصدعت * * * من صدمة الحق، لا من صدمة القدم
أتيت و الناس فوضى لا تمرّ بهم * * * إلّا على صنم، قد هام في صنم
و الأرض مملوءة جورا، مسخّرة * * * لكلّ طاغية في الخلق محتكم
مسيطر الفرس يبغي في رعيّته * * * و قيصر الروم من كبر أصمّ عم