مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٤٧ - مولد المناوي
لما حللت بصلب إبراهيم قد * * * عادت له روضا بك النّيران
و إلى الذّبيح نقلت يا خير الورى * * * ففداه من كأس الرّدى الرّحمن
و أبوك عبد اللّه من ذبح نجا * * * فأزيل عنه بجاهك الأحزان
يا خير خلق اللّه يا تاج الورى * * * يا من به تتشرّف الأكوان
كن للمناوي في القيامة شافعا * * * فلقد رماه في الرّدى العصيان
و عليك صلّى ذو الجلال مسلّما * * * ما اهتزّ في روض الحمى الأغصان
و لما انتقل نور محمّد صلى اللّه عليه و سلم من ظهر جدّه عبد المطلب إلى ظهر ولده عبد اللّه بن فاطمة المخزومية، علا قدره و اشتهر فضله بين الأنام و كان يتلألأ في جبينه كالكواكب الدرّيّة، فمرّت عليه قتيلة أخت ورقة بن نوفل فدعته لنفسها فقال: لا أرضى بالحرام، فأخبر والده عبد المطلب بما دعته إليه المرأة المسمّاة الخثعميّة، فأخذه و توجّه به إلى دار وهب بن عبد مناف طالبا له الحفظ و الاعتصام، و الحقّ أن اللّه سبحانه و تعالى طهّر أصوله من سفاح الجاهليّة، و شرّف بطونه و الأرحام، فتزوّج عبد اللّه بآمنة البتول المرضيّة، و بنى بها في شعب أبي طالب فحملت بأفصح الأنبياء لسانا و أحلاهم في الكلام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
و في أوّل ليلة من ليالي حمله صلى اللّه عليه و سلم أغلقت أبواب الجحيم و فتحت أبواب الجنان الرّضوانية، و اطّلع الحيّ القيّوم و تجلّى برحمته و رضوانه التجلّي العام. و اهتزّ العرش طربا و مال الكرسيّ عجبا و انتشرت الرايات الربّانية، و تلألأت الكائنات بالأنوار و تنكّست على رءوسها الأصنام، و نطقت دوابّ قريش بالمقالات العربيّة، و قالت: حمل برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ربّ الكعبة فهو إمام الدّنيا و سراج الأنام، و فرّت وحوش المشارق إلى وحوش المغارب بالبشائر القوليّة، و بشّرت حيتان البحر بعضها بعضا بظهور مصباح الظّلام، و نادى لسان حال الكائنات جاءنا اليسر بعد الشدائد العسريّة، و ظهّر إمام العدل و الرّقيب من الحواسد نام، و لم تجد أمّه في حمله و حما و لا تعبا و لا كربيّة، و لا ثقلا و لا هزالا و لا مسّ آلام، و كان بدء حمله صلى اللّه عليه و سلم في ليلة جمعة من الليالي الرّجبيّة، و انتهاؤه في شهر ربيع الأول ليلة الاثنين الثاني عشر من الأيام و كان صلى اللّه عليه و سلم و هو في بطن أمّه يسبّح و يقدّس ذات ربه الوحدانية فكانت السيدة تسمع تسبيحه و تقديسه و هو في بطنها، فسبّحوا من لا ينام.