مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٥٠٥ - فصل في ولادة النبي صلى اللّه عليه و سلم
تولّى اللّه تعالى تربيته و طهّره من دنس الوثنيّة، فما عظّم وثنا للجاهلية، و لا صنما عبد من دون اللّه.
هكذا كان في عهد شبابه متمتّعا بكمال الحرّيّة، مستقلّا و مستقيما و هكذا كان في عهد صباه.
و لمّا بلغ أربعين سنة جاءه جبريل بوحي ربّ البريّة، قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:
الآية ١] و أخبره أنه نبيّ اللّه.
ثمّ أمره اللّه بإنذار قومه فقام بهمّة عليّة، و قال: «يا أيها الناس! قولوا لا إله إلّا اللّه».
و قال: «اعبدوا اللّه وحده لتفوزوا بالسعادة الأبديّة»، و قال: «اتركوا ما يقول آباؤكم»، فعادوه أشدّ المعاداة.
و أغروا به سفهاءهم فقذفوا بالحجارة و واجهوه بالأذيّة، و تجاوزوا الحدّ في ظلم كلّ من آمن به و والاه.
ثم أجمعوا على قتله ليطفئوا نور شريعته الإلهيّة، فأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره و يحفظ عليه ما أولاه.
و أمره عند ذلك بالخروج من مكّة فهاجر إلى المدينة البهيّة، و أقام فيها موفور الكرامة إلى أن حضرته الوفاة.
قام وحده و دعا إلى اللّه و ليس له عصبيّة دينيّة، و لا مال و لا جند و إنما أيّد بجند مولاه.
و تلا القرآن فبهر العرب الفصحاء بآياته الرّبانيّة، و تحدّى به البلغاء فعجزوا عن الإتيان بمثل مبناه و معناه.
و لو استطاعوا أن يأتوا بمثله و يدحضوا حججه القويّة، لما اختاروا قتال من لقّبوه بالأمين لإحسانه و حسناه.
جهل قومه عليه فأغضى حلما و الحلم فيه سجيّة، و جفوه و الجذع حنّ إليه حين مفارقته إيّاه.
و عرفه الأحبار فأنكروه و كيف لا يكون رسول اللّه و نبيّه، و به بشّر الإنجيل و صرّح بجلالة قدره الزّبور و التّوراة؟!.
صلّى اللّه تعالى و سلّم على ذاته المقدّسة النّقيّة، و زاد فضله و علاه و أعزّ دينه القويم و قوّاه.