مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٣٠ - الأسرار الربانيّة في مولد النّبي صلى اللّه عليه و سلم
الإحصان، و في الثّالثة وجد يوسف ذا المحاسن الذي افتتنت به زليخا الأوّليّة، و في الرّابعة إدريس الذي قال اللّه فيه: وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) [مريم: الآية ٥٧] في التّبيان، و في الخامسة هارون، و في السادسة موسى الذي ردّه لتخفيف الصّلاة الفرضيّة، فرجعت بعد خمسين خمسا في النهار ثلاثة و في اللّيل فرضان، و في السابعة إبراهيم متّكئا على البيت المعمور بالضّياءات الوسعيّة، الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك بحسبان، ثم إنّهم لا يعودونه إلى يوم القيامة البغتيّة. فما أعلى هذا المقام كيف و هو مقام خليل الرّحمن، و لم يزل يرقى صلى اللّه عليه و سلم إلى سدرة المنتهى إلى الحضرة العرشيّة، و علا الحجب و خاطب مولاه و رآه كما قال ابن عبّاس عيان، و رجع و كلّ ذلك كان في بعض ليلة، فما أعظم هذه المعجزات الشّهيريّة، و أخبر قريشا فكذّبه أهل البغي و الخذلان، فجاء بالعلامات و أخبر بالعير التي كانت له مرئيّة، و صدّقه الصّدّيق لسبق العناية له فتيقّظ يا نومان.
اللّهمّ صلّ و سلّم على الذّات المحمديّة
و اغفر لنا ما يكون و ما قد كان
ثمّ لم يزل صابرا صلى اللّه عليه و سلم على الخبائث الصّادرة له من الفئة الكفريّة، و يدعو لهم من حسن خلقه بالهدى و الهديان، فهدى اللّه من هدى بعنايته و أمره ليتمّ له بالهجرة النّبويّة، فخرج هو و الصدّيق و تخبّيا في غار ثور و طلب الكفّار لهما يقتلان، فأتوا إلى الغار و قد أمر اللّه الحمام و العنكبوت تنسج على فم تلك المغارة المحصونيّة، فقال أبو بكر: هؤلاء هم، فقال من ملأ اللّه قلبه بالسّكينة و الاطمئنان: «يا أبا بكر ما بالك باثنين اللّه ثالثهما» فأنزل اللّه عليهما سكينته النّصريّة و مضوا إلى المدينة فأدركهم في الطّريق سراقة فساخت قوائم فرسه فنادى الأمان، فحلّه النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم فرجع و ردّ الكفّار عنه و دخل النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم إلى الدّيار الحرميّة، و نزل عند أخواله في دار بني النّجّار أهل الرّسخان، و بنى المسجد و جهّز الجيش هو و الدائرة الأصحابيّة، و أقام الدّين حتى أتاه اليقين فوافى مولاه بإحسان، و استأذنه ملك الموت و لم يستأذن أحدا قبله من الأنبياء القبليّة، فأذن له و أعظم المصائب علينا وفاته فالحكم للمنّان. و دفن صلى اللّه عليه و سلم في حجرة عائشة زوجته التي نزلت فيها الآيات التبريئيّة، و عند رجليه أبو بكر الصدّيق و عمر الفاروق مدفونان، و صلّت عليه الملائكة و عزّت أهله مع الخضر ذي العلوم اللّدنيّة، ثم صلّى عليه الرّجال بوصايته و النّساء و الصّبيان، و عمّت ملّته في جميع الأرض القربيّة و البعديّة، و لم يحرم من رحمته و بركته شيء من الأكوان.