مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٥٤ - اليمن و الإسعاد بمولد خير العباد
في ذلك الأمد يمده بأنواره، و يفيض عليه من مواهبه و أسراره، و يمن عليه بما لا يعلم علمه إلا هو عز و جل، و لا يشم غيره له رائحة و إن جدّ و كلّ.
فكان ٧ من أجل ذلك أول عارف بربه و عابد له هنالك، و أول مثن على اللّه بما هو أهله من الثناء، و أول ممد من حضرة الربوبية و السناء، و أول من تجلى له الحق تعالى بأسراره، و أفاض عليه مواهب عطائه و أنواره، و كان تعالى لما خلق نوره و أنشاه، و على غير مثال سابق أبدعه و سواه، أودع فيه كل ما أراد إبرازه للوجود من الأزل إلى الأبد الممدود، حتى يكون منه المبدأ و المنتهى، و يوجد فيه كل ما يرام و يشتهى. فتنسلت منه من أجل ذلك العوالم و جميع الخلق و سائر المعالم.
فكان صلى اللّه عليه و سلم لذلك أصل الأصول، و وصل الوصول، و المقدم على كل من تقدم، و الجنس العالي على جميع الأجناس، و الأب الروحي لكل الموجودات و الناس، و السبب في إيجاد كل موجود و خروجه من العدم إلى الوجود.
و قد نقل في «مطالع المسرات» عن سيدي عبد النور الشريف العمراني عن شيخه أبي العباس الحمامي عن شيخه أبي عبد اللّه بن سلطان، قال: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في النوم، فقلت له: يا سيدي يا رسول اللّه أنت مدد الملائكة و المرسلين، فقال لي: أنا مدد الملائكة و النبيين و المرسلين و سائر خلق اللّه أجمعين و أنا أصل الموجودات و المبدأ و المنتهى و إلى غاية الغايات و لا يتعداني أحد:
عطر اللهم مجالسنا بطيب ذكره الأعظم
و ثناه و منّ علينا بسلوك سبيله و هداه و صل و سلم و بارك عليه
و على آله صلاة و سلاما نتخلص بهما من محن الوقت و أهواله
فكل موجود حدث و كان لدخوله في حيطة الإمكان في أي زمان و أي مكان حتى نفس الزمان و المكان هو منه صلى اللّه عليه و سلم و به و إليه انتسابه و بسببه، و كل كرامة و منحة و نعمة و فضيلة و مزية و رحمة في الوجود كله و بأجمعه، و العالم بتمامه سفله و أرفعه، كثرت أو قلّت، رقّت أو جلّت، صعدت أو نزلت، برزت أو خفيت، به كانت و بوجوده وجدت و بطلعته ظهرت و منه حصلت، و هو الواسطة في كل شيء و بواسطته خلق كلّ شيء.
و هو صلّى اللّه عليه و سلم المستمد من ربه تعالى بلا واسطة شيء، و الممد بواسطته و بسببه كل شيء، فهو ممد أهل السماوات و الأرضين و أهل الحجب السبعين و أهل عالم الرقا و كل من سفل أو صعد و ارتقى، و هو السبب في أعمال البر الصادرة من العالمين،