مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٢٨ - شفاء السقيم بمولد النبيّ الكريم
بصرى فنزل تحت ظل شجرة هناك قريبة من صومعة نسطورا الراهب فقال نسطورا: يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة؟ فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل- أي في هذه الساعة- تحت هذه الشجرة بعد عيسى إلّا نبي. ثم دنا إليه صلى اللّه عليه و سلم و قبّل رأسه و قدميه و قال: آمنت بك و أنا أشهد أنك الذي ذكر اللّه في التوراة. فلما رأى الخاتم قبّله و قال: أشهد أنك رسول اللّه النبي الأمي الذي بشّر بك عيسى فإنه قال:
لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلّا النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض و الشفاعة و لواء الحمد. ثم قال الراهب لميسرة: في عينيه حمرة، قال ميسرة:
نعم لا تفارقه أبدا، قال الراهب: هو هو و هو آخر الأنبياء و يا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج. فوعى ذلك ميسرة ثم حضر صلى اللّه عليه و سلم سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها و اشترى و كان بينه و بين رجل اختلاف في سلعة فقال الرجل: احلف باللات و العزى، فقال: ما حلفت بهما قط، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة و خلا به: هذا نبي و الذي نفسي بيده إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم. فوعى ذلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعا و كان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس و لما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة و خديجة في علية- أي غرفة لها- رأت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو على بعير و ملكان يظلان عليه. رواه أبو نعيم، زاد غيره: فأرته نساءها فعجبن لذلك و دخل عليها صلى اللّه عليه و سلم فأخبرها بما ربحوا فسرت فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام. و أخبرها بقول نسطورا و قول الآخر الذي خالفه في البيع و ربحت ضعف ما كانت تربح فأضعفت ما كانت سمته له.
ثم بعد قدومه صلى اللّه عليه و سلم من الشام بشهرين و خمسة و عشرين يوما تزوج مولاتنا خديجة بنت خويلد بن أسد التي كانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة و بسيدة نساء قريش، كما كانت تدعى بذلك في الإسلام، و كانت أولا تحت أبي هالة بن زرارة التميمي فولدت له ذكرين أحدهما هندا الصحابي الجليل راوي حديث صفة النبي صلى اللّه عليه و سلم، و الثاني هالة له صحبة ثم بعد موته تزوجها عتيق بن عابد المخزومي فولدت له بنتا اسمها هند لها صحبة، و قيل أن تزوج عتيق بها قبل أبي هالة. حكي القولين في الإصابة. و لما تزوجها صلى اللّه عليه و سلم كان لها من العمر أربعون سنة، و كانت امرأة حازمة ضابطة شريفة في قومها أوسط قريش نسبا و أعظمهم شرفا و أكثرهم مالا و كل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها و بذلوا لها الأموال فأراد اللّه بها خيرا و كرامة فعرضت نفسها على سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم لما حدثها به غلامها ميسرة مع ما رأته من الآيات.
و لما ذكره ابن إسحاق أنه كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه فاجتمعن يوما فيه فجاءهن يهودي فقال: يا معشر نساء قريش، إنه يوشك فيكن نبي، فأيتكن استطاعت أن