مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٦١ - ثناء اللّه عليه في القرآن
ثناء اللّه عليه في القرآن
أما ثناء اللّه عليه في كتابه العزيز، فقد أخبر اللّه تعالى في كتابه العرب أنه بعث إليهم رسولا من أنفسهم، عليّ القدر لديهم، يعرفون فضله و مكانته، و يتحققون صدقه و أمانته، عزيزا عليه ما يهوي بهم في الهوان، حريصا على دخولهم إلى دار أمان الإيمان، شريف النسب فيهم رءوفا رحيما بمؤمنيهم، و أناله من نيل الكرامة غاية السؤال، و قرن طاعته بطاعته في قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ [النّساء: الآية ٨٠] و أطلع في أفق التوفيق نجمه، و رحم العالمين به فقال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً [الأنبياء:
الآية ١٠٧] فمن أصابه شيء من رحمته فقد فاز، و وصل إلى كعبة النجاة من غير حجاز، و حصّنه من سور كتابه العزيز بأمنع سور، و سمّاه فيه نورا بقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ [المائدة: الآية ١٥]، و أرسله شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا منيرا، و شرح بالرسالة صدره، و وضع عنه وزره الذي أنقض ظهره، و رفع بذكره معه في الشهادتين ذكره، و أظهر دينه على الدين كله و عظّم أمره و رمى المشركين منه بالمقعد المقيم، و نعته في أم الكتاب بالصراط المستقيم، و آتاه سبعا من المثاني، و أكرمه بمنزلة محكمة المباني، و بعثه حرزا للأميين، و وضع كتاب الأبرار به في علّيين، و رفعه إلى المحل الأسنى، و قرّبه منه، فكان قاب قوسين أو أدنى، و نزّه لسانه عن النطق بهواه، و فؤاده عن الكذب فيما رآه، و بصره عن الزيغ و الالتفات، و زكّى حملته الجميلة و عصمها من الآفات، و أقسم على أنه ما ودّعه و لا قلاه، و لم يقسم بحياة أحد في قوله: لَعَمْرُكَ [الحجر: الآية ٧٢] من الخلق سواه، و زوى له أرض الخيرات طولا و عرضا، حيث أنزل عليه: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) [الضّحى: الآية ٥]، و أيّده بأظهر البراهين، و أبهر المعجزات، و أراده من تلك الرسل بقوله: وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الأنعام: الآية ١٦٥]، و درأ العذاب عن أهل مكة لكونه بواديهم، فقال تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: الآية ٣٣]، و أمر الذين هم في حلية الإيمان به مجلون أن يصلوا و يسلّموا عليه بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ [الأحزاب: الآية ٥٦]، و أعطاه الكوثر، و ردّ على عدوّه بقوله: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) [الكوثر: الآية ٣]، و طهّره من الأقذار و الأدناس، و بيّن عصمته بقوله: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: الآية ٦٧]، و أحسن مخاطبته في سورة (نون) و وعده فيها بأجر غير ممنوع و لا ممنون، و أثنى عليه ثناء يحل أن يحمله رسول النسيم، و بالغ في التمجيد و التأكيد بقوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم: الآية ٤] و أتحفه تبارك اسمه في سورة (الفتح) بجزيل الصلات الواصلات و المنح من ظهوره و غلبته، و علو شراع شريعته و كلمته، و خضوع ترفع من أعدائه و تكبر، و غفران ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، و إتمام النعمة عليه، و إرسال الهداية